samedi 3 octobre 2015

حمادي بلخشين:تعريف السّـلفية


تعريف السّـلفية (*) 1/2

يتشكل البيت الطائفي لـ" أهل السنة و الجماعة " (1) من مكونين رئيسين. حنابلة وشوافع ثم اشاعرة. أما الحنابلة و الشوافع فأهل حديث وأثرلا يتجاوزونه الى غيره حتى لو طارت المعزى ودخل الفيل في علبة كبريت، فتجدهم يسارعون الى تضليل و حتى تكفير من خالفهم في قبول حديث نبوي قدّر ذلك المخالف انه عارض نصا قرآنيا أو تضمن علة تقدح في صحته، أو اتخذ ذلك المخالف موقفا مغايرا من مسألة عقدية لا تتعلق بكفر او ايمان .

و اما الأشاعرة( نسبة الى ابي حسن الأشعري) فهم أقل تشددا من الحنابلة، ناهيك ان مؤسس فرقتهم، كان معتزليا قبل أن يعلن رجوعه الى أهل الجماعة ( حزب الحاكم)، و لكن رجوعه لم يشفع له لدى الحنابلة، في محو ماضيه الإعتزالي " المريب "، خصوصا، و قد ابتدع موقفا وسطا في مسألة خلق القرآن و رؤية الله تعالى يوم القيامة، و في حرية الإنسان واختياره وان كانت مواقفه من المسائل المشار اليها، لا تخرج (بعد التدقيق فيها) عن كونها موافقة لما ذهب اليه الحنابلة أي اهل الحديث!

أما أمثال ابي حنيفة و غيره ممن يستحق الإحترام ، من ذوي العقل و النظر و استقلالية الفكر واتساع الأفق، و مجانبة حكام الجور، و ان حسبوا على أهل السنة و الجماعة، فان نسبتهم اليها من قبيل التجوّز، فهم مجرد ضيوف شرفيين اقتضى التقسيم التقليدي بين شيعي و سنة و معتزلي و ماتريدي و خارجي، الحاقهم بطائفة السنة و الجماعة، كي لا يحسبوا على تلك الطوائف، و الحال انهم ليسوا منهم. هذا بالإضافة الى أن ابا حنيفة، لم يدرك القرن الثالث (عصرالتدوين)، حتى يدرج مضمن اهل السنة بمفهومها السياسي ذي الخلفية الأمنية. كما ان رفض ابي حنيفة للملكيات الوراثية، وعدم تقيده بلزوم ظل السلطان و تبرير جرائمه، لا يجعله من اهل "الجماعة" التي أهدر كهنتها كل حقوق الفرد المسلم في سيبل حفظ أمن السلطان الجائر، لأجل ذلك، فمن غير الإنصاف الحاق ابي حنيفة و كل من حذا حذوه من أهل الفضل، بطائفة السنة و الجماعة، بل بالفئة المتمسكةالإسلام النقي الذي بشر به رسول الله، و عمل به الراشدون من الخلفاء، قبيل العدوان السلفي المدمّر .

فالسنة و الجماعة تتازعها اذن طائفان متنافرتان، طائفة الحنابلة تمثل اقلية ( حوالي الخمس )و طائفة الأشاعرة( حوالي الأربع اخماس)، و ان كان يوحد بين الطائفتين النهج التبريري والولاءّ المطلق لحكام الجور، وتنزيه الماضي كلّ الماضي و قديس رموزه كل رموزه ، و مباركة الوضع القائم و السعي بكل اصرار غبيّ على تثبيت الشعوب" تحت مطارق الإستبداد" ، على أمل بائس وحيد يتمثل في انتظار مجدد مئوي أو مخلص اسطوري" يملأ الدنيا عدلا بعدما ملئت جورا". وعلى هذا الإعتبار، واعتمادا على رداءة القواسم المشتركة التي تجمع الفريقين ـ حنابلة و اشاعرة ــ ، ثم اعتمادا على ارضية البلاط الملكي التي يقفان عليها لتجعل منهما راس حربة واحدة في صدور الموحدين و تحديدا واحدا في وجه أي تغيير، وعقبة كأداء أمام مستقبل اسلامي افضل (يمثل الأشاعرة جسم تلك الحربة ويمثل الحنابلة و الشوافع سنّها )، فساعتبر الفئتين شيئا واحدا وغرضا مشتركا، معلنا بذلك عن براءتي من الطائفية الضيقة (2) واعتصامي بالمنهج النبوي الإنساني الرحب الذي حرّم تفريق المسلمين الي شيع متنافرين، و تسميتهم بغير ما سماهم به رب الله {هو سماكم المسلمين من قبل]( 3)
أما السلفيون الذين يمثلون الجناح الحنبلي المتشدد من طائفة السنة و الجماعة، فقد" ظهروا في القرن الرابع الهجري وكانوا من الحنابلة، و زعموا أن جملة آرائهم تـنتهي الى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيا عقيدة السلف و حارب دونها، ثم تجدّد ظهورهم في القرن السابع الهجري، أحياه بن تيمية و شدّد في الدعوة اليه، و اضاف اليه أمورا اخرى قد بعثت الى التفكير فيها احوال عصره : ثم ظهرت تلك الاراء في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري أحياها محمد بن عبد الوهاب (4)
غير أن كلمة سلفية : لم تتخذ كتسمية لذلك التجمّع الغثائيّ إلاّ في العقود القليلة الماضية حيث تبناها الوهابيّون بعد وفاة مؤسس فرقتهم محمد بن عبد الوهاب ( 1703/1792) بأكثر من ربع قرن، لتكون لهم طوق نجاة في زمن " كانوا يتبرمون بكلمة الوهابية التي توحي بأن ينبوع هذا المذهب بكل ما يتـــضمنه من مزايا و خصائص، يقف عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدعاهم ذلك ليستبدلوا بكلمة الوهابية هذه، كلمة السلفية، و راحوا يروجون هذا اللقب الجديد عنوانا على مذهبهم القديم المعروف، ليوحوا الى الناس، بان أفكارهذا المذهب لا تقف عند محمد بن عبـــد الوهاب، بل ترقى الى السـلف، و انهم في تبنيهم لهذا المذهب، أمناء على عقيدة السلف و أفكارهم و منهجهم في فهم الإسلام " (5)

أما اول ظهور لكلمة السلفية ففي مصر" إبان الإحتلال البريطاني لها، ايام ظهور حركة الإصلاح الديني التي قادها ورفع لواءها كل من جمال الدين الأفغاني و محمد عبده، فلقد اقترن ظهور هاته الحركة، بإرتفاع هذا الشعار الذي رفعه اقطابها في مواجهة التيار العلماني الذي يرى الإنضمام الى ركب الحياة الغربية والتخلص حتى من الأفكارالإسلامية"(6

كانت السلفية تعني عند الأفغاني[ شيعي ايراني ] و تلميذه المصري محمدعبده، نبذ الخرافات و الشعوذة و الرجوع الى اسلام نقي" وهكذا تحولت الكلمة من شعار اطلق على حركة اصلاحية للترويج لها و الدفاع عنها الى لقب لقب به مذهب يرى اصحابه أنهم دون غيرهم من المسلمين(7 على حق ّو انهم دون غيرهم الأمناء على عقيدة السلف، والمعبّرون عن منهجهم في فهم الإسلام و تطبيقه"(8

لقد صادفت كلمة السلفية هوى في نفوس الوهابيين ورثة الحنابلة لما حققته تلك التسمية من إشباع ميولات تقديسية لأشخاص معينين، لا لمبدإ عام، فمصلحة الإسلام و حسن تطبيق مبادئه ، لا يجمع السلفيين كما يجمعهم التعصّب لأشخاص، و نصرة فكر هؤلاء الأشخاص، و لو كان ذلك على حساب عزة الإسلام و مصلحة المسلمين .

فــ " السلفية مذهب جديد مخترع في الدين، كوّنه أصحابه من طائفة من الآراء الإجتهادية في الأفكارالإعتقادية، ثم حكموا بأن هذا البنيان الذي اقاموه من هذه الاراء المختارة من قبلهم، و بناء على أمزجتهم و ميولاتهم، هو دون غيره البنيان الذي يضم الجماعة الإسلامية الناجية والسائرة على هدي الكتاب و السنة، و كل من تحوّل عنه الى آراء و اجتهادات اخرى مبتدعون تائهون "(9
و يا ليت تلك "الإجتهادات" البائسة كانت ذات نفع للمسلمين في دينهم و دنياهم و لكنها تخبطات بدعية و مسائل فرعية " اختلفت اتجاهات الأئمة و العلماء من قبلهم فيها، ثم مروا بها و تجاوزوها، وقد أعذر المختلفون بعضهم بعضا في شأنها، و لن تجد شيئا من هذه المسائل قد أعطيت سبيلا واحدا في الراي والإجتهاد، لتجري من ورائها ذيولا من التفسيق و التضليل والتبديع، لمن رجّح فيها رأيا آخر إلاّ في ظلّ نشاة السلفيّة هذه "(10)

فالسلفية حركة رجعية تتحصن بدعوي حفظ الدين، لتجلس في حجور السادة العالمين لتـنتف لحاهم و تتبوّل على ثياب اتقاهم، مستدلة على تخبطها بما صح في عقلها الكليل من سنة النبوية، لاوية أعناق الآيات،حتي تســـتقيم مع ما تـــدعو اليه من ترّهات، مســـوّية اقصى الذرى، بالدركالمنحط من الثرى، تكلمهم باسم اسلامنا وصمةعار ، ووجودهم في مقدمة ركبنا ايذان بالهزيمة والدمار، من كشف عوارت بقراتهم المقدسة اتهم بمعداة سيد المرسلين، و من أهمل التصدي لها،أتت على الدنيا وأفسدت الدين، فهي كجرذان المسجد، ان سفكت دماءها لوثت الحصير، وان تركتها تفسد وقعت في سوء التدبير !


يتبع
ــــــــــــ هوامش و تعليقات ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لأجل أن السلفية الحنبلية تعبر اصدق تعبير عن معتقدات طائفة اهل السنة و الجماعة فسأركز عليها اكثر...نشأة و فكرا و رموزا.
(1) اصل كلمة" الجماعة" اخذت من عام الجماعة التي استعادت فيها الأمة وحدتها التراببية بعد انشقاق معاوية و اقتطاعه بلاد الشام و مصر و اليمن و المدينة عن دولة الإسلام, و قد تم ذلك اثر تـنازل الحسن بن علي رضي الله عنها عن الخلافة لمعاوية ابن ابي سفيان، ثم اضيف الي اسم "الجماعة" تسمية " السنة" لتصير اهل السنة و الجماعة, وقد تم ذلك إثر تدوين الحديث الذي حصل بعيد" ضجّة السوق" التي رفعت رصيد غير اهل الرأي و النظر من المحدثين، و منحت حكام الجور شرعية لصياغة منظومة امنية شديدة الأحكام تسر الحاكمين و تسحق المحكومين سموها احاديث نبوية ( من فرص اللصّ ضجّة السّوق ــ مثل ــ و اعني بضجة السوق مسألة خلق القرآن التي سأتـناولها لا حقا).
2) سيقال لأبي بكر لو بعث في ايامنا " نحن آسفون فليس لك أي مكان بيننا، فالإسلام الذي تعرفه قد حجزت السنة كل اركانه و زواياه فاما أن سنيا تابعا ذليلا أو شيعيا خرافيا. .
(3) لأجل ذلك قلت :
أنا مسلم لا ارتضي تسمية غير التي
أكرمني ربّي بها / أعظم بها تسميتي
فلست شيعيا و لا / أدين بالخرافة
و لست سنيا و لا/ ارضي بتلك النسبة
(4) محمد ابو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية الفقهية ص 187
(5) محمد سعيد رمضان البوطي السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب اسلامي ص 236
(6) محمد ابو زهرة مصدر سابق ص 232
(7) يقصد البوطي "بغيرهم من المسلمين" الأشاعرة الذي هو منهم. و قد ذهل البوطي عن حقيقة ان الحنابلة و الأشاعرة يحملون نفس العقائد التعيسة و المدمرة، وان الجميع سلفيون في نهاية المطاف. اما غضب البوطي من تكلم الحنابلة باسم السلفية، فلأن السلفية تكفر الشيعة الذين هم حكام البوطي و قرة عينه.
(8) البوطي مصدر سابق . ص 236
(9 و 10)البوطي مصدر سابق على التوالي 242/256



السلفية حركة لغوية :

و لما كان المثال يوضح الحال هاكم طرفة بليغة تغني عن كل كل حبكة و صيغة. ورد في كتاب "الغيث المنسجم في شرح لامية العجم " : " سأل بعض المغفلين إنسانا فاضلا فقال له كيف تنسب الى اللغة؟ فقال لغوي. فقال اخطأت في ضمّ اللاّم، انما الصحيح ما جاء في القرآن قال الله تعالى { إنك لغويّ مبين} القصص 14 ( ص 348) .
ففهم السلفيين للدين، لا يتعدى فهم ذلك المغفل المهين، حيث جمع بين الجهل و الجرأة على الشرفاء ، وقد كانت خصلة سوء تكفيه، ليصفع بالحذاء .


السلفية حركة حمارية :

السلفية حركة حمارية في تصوّرها لله عز و جل، و في فهمها لدور للإسلام وو ظيفته المحلية و العالمية، و اعني بالحمارية، نسبة الى حزب الحمارييّن، وهو حزب يمثل صنفا من المتدينين جمع الحماقة و حسن النية في إهاب واحد. وخير من يمثل ذلك الحزب ، الإعرابي الذي حجّ فدخل مكة قبل الناس و تعلّق بإستار الكعبة قائلا : اللهم اغفر لي قبل ان يدهمك الناس! أو الإعرابي الذي كان يقول في صلاته : الله أغفر لي وحدي فقيل له لو عمّمت المغفرة فقال أكره أن أثقل على ربّي! أو من جنس ما قاله أحمد التمّار في قصصه : لقد عظّم رسول الله ص حقّ الجار حتى قال فيه قولا أستحي أن أذكره !أوذلك الإعرابي من قال في دعائه : اللهم اغفرلي من ذنوبي ما علمت منها و ما لم تعلم!
أما سبب تسميتي لهاته الفئة بالحمارية، فنسبة الى المنخرط الحماريّ الأول، وهو رجل من بني اسرائيل حكي انه " تعبّد في صومعة فامطرت السماء فأعشبت الأرض فرأى حمارا يرعى فقال: ياربّ لو لوكان لك حمارا رعيته مع حماري! فبلغ ذلك نبيّا من انبياء بني اسرائيل فأراد أن يدعو عليه فأوحى الله تعالى اليه: إنما أجزي العباد على قدر عقولهم (اخبار الحمقى و المغفلين) "

و إذا كان للنبيّ الإسرائيلي من الحلم الى درجة انه لم يدع علي الحماري المذكور فمن واجب كل مسلم أن يجتهد في الدعاء حتى يوضع عن امتنا هذا الإصر السلفي الثقيل، لأنّ الحماري ّالإسرائيليّ لم يدّع انه" ناصرالدين" و حاميه و المتكلم بإسمه، كما لم يتورط معشار ما تورط فيه السلفييون من استهانة بذات الله و تشبيهه بالبشر، و من جعل دين الله الذي اريد به رحمة العالمين ،مطية لأسر حاكمة لا مؤهلات لها سوى نسبتها لقبيلة ما دون سواها .

إن محدودية المدارك العقلية السلفيية هي التي اكسبتها عضوية دائمة في حزب حماريّ أرهق أمتنا رفسا و دهسا و شهيقا و نهيقا و حملا لأسفار من مرويات " يستحي المرء من ذكرها " ( لو نجا رؤس السلفية من النار، فلأن صفة الحمارية ستكون الحيثية الوحدية لإنقاذهم من الخلود فيها، لأنّ ما احدثوه في دين الله لا يجعلهم طرفة عين في عداد المسلمين فضلا عن علمائهم ) .


السلفية حركة دببيّة :

لمّا تواتر ان طائفة من شيوخ السلفية و رموزها كانوا متقشفين، زهادا في متع الدنيا معرضين عن زخارفها، انتفى في حقهم نفاق الحكام لنيل بعض دنياهم، و تبين ان اضرارهم بالمسلمين كان لوجه الله تعالى، لأجل ذلك حقّ نسبتهم الى حزب الدببة، نسبة الي الدب العطوف الذي هشم راس صاحبه بحجر كان يستهدف به ذبابة حطت على راسه و هو نائم، فقد قتلتنا السلفية بوقوفها دون تحفظ في خندق حكام الجور، لا لشيء الا استعظامها ردّ أحاديث نبوية" صحيحة الإسناد"! تبرر انحراف هؤلاء الحكام و تعطيهم صلاحية ادارة ممالـكهم على الطريقة الإقطاعية .

لقد تحوّل إسلامنا نتيجة الخلط السلفي للأولويات، و تعظيمهم للهيّن و تهوينهم للعظيم، الى متجر ملابس دخلوه " و قد وزعت فيه انواع الملابس على مختلف الجوانب، والطبيعي أن من يريد كسوة كاملة يمرّ بهذه الجوانب كلها ليأخذ ما يغطيه من رأسه الى قدمه و لكن يحدث أن ترى من يشتري قلنسوتين و يخرج حافيا أو من يشتري منديلا و يخرج عاريا" (1). فقد صنعت السلفية اجيالا " تهتم بشرك القبور و لا يهتم بشرك القصور" اجيال لا يعنيها شرك طاعة الحكام الذين يحملون المسلمين على التحاكم الى غير الشرع الحكيم ، في حين تقيم الدنيا و لا تقعدها إذا زارت ثكلى مفجوعة قبر ولدها، لأن زيارة القبور في عرف السلفيين حرام على النساء مباحة للرجال! و كأنّ الرجل الذي حمل ولده خفّا ووضعه شهوة، أحقّ من زوجته بزيارة قبره و قد حملته كرها ووضعته كرها ألا ساء ما يحكمون !


السلفية حركة كهنوتية :

هي كذلك من حيث تصورها الضيق لدور الإسلام التي رات فيه خادما لأطماع عائلة مالكة في اقليم منسي من الأرض و ليس حركة تحرير عالمية .
كما تعتبر السلفية حركة كهنوتية من حيث استفظاعها استصحاب العقل عند تلقي النصوص المقدسة، ثم دعوتها تحت طائلة التضليل والتكفير الى التوقف الكلّي إزاء تلك النصوص، حتى لو خالفت المعقول، بل حتى لو ناقض بعضها بعضا ،اخذا بالمبدأ الإنجيلي المحرف" اعتقد و انت اعمى / اغمض عينيك و اتبعني. كما تعد السلفية حركة كهنوتية من حيث نظرتها التقديسية (المتولدة عن الإنعدام الكلي للملكة النقدية) لشيوخها اخطأوا أم اصابوا، ومن حيث جعلها تفسيرالنص الديني حكرا على فئة معينة تمتلك رموزه السرية. لأجل ذلك الإعتقاد المميت سقط الحنابلة والشافعية بخلاف ــ اهل الرأي ــ في فخ الصوفية ذات الخلفية الشيعية / المجوسية المقدسة للإشخاص . حيث لم نعدم حنبليا أو شافعيا يزعم لنا " أنّ سرّ القرآن في الفاتحة، و سرّ الفاتحة في بسم الله، و سرّ بسم الله في الباء، و سرّ الباء في النقطة ! " حتى انه " لأجل كشف تلك الأسرار كلّها، أنفق أحد مشايخ الصوفية 14 سنة بتمامها و كمالها لدراسة نقطة الباء ![ لا بدّ أنه لمّا وصل لدائرة حرف الميم بقي يدور فيها دوران الحمار بالساقية و لم يستطع الخروج منها إلى أن فاجأه الموت، كما فاجأ لصوص المغارة شقيق عليّ بابا الذي نسي كلمة إفتح ياسمسم فكان مصيره الذبح !] و قد زعم بعض هؤلاء أن رســول الله" قد أوحى إليه ثلاثة علوم : علم أمره الله بإفشائه، و هو علم الأحكام, وعلم خيّره الله فيه و هو علم الأسرار، و علم أمره بكتمه الا عن بعض خواصه، و هو علم سر القدر". كما اننا لا نعدم آخر يقول " سمعت سيدنا رضي الله عنه يقول: طلبت من سيدنا محمد بلوغ الغاية في أقصى مقام القطبانية التي ما فوقها إلاّ مقام النبوّة فقال لي : مقامك هو مقام ا م ع ن ا ا م ز ت غ ت" يقول صاحب الكتاب في تعليقه على هذا البلاء المبين : " لا ينبغي لأخ صادق أن يتجاسر في إستخراج أصحاب هذه المقامات المرموز لهم بهذه الحروف، بل الواجب عليه أن يقول : ما لنا إلاّ إتباع أحمد [ التيجاني] فما أفشاه أفشيناه، و ما أخفاه أخفيـناه, و من فتح الله عليه وأفشى شيئا من ذلك، يخاف عليه السلب والطرد والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ! (2)

ولمّا رسخ في أذهان عامة المسلمين، أنّ " العالم" السّلفي يعلم ما لا سبيل لغيره أن يعلمه فوّضوا اليهم كل أمورهم(3) وأعطوهم توكيلا للـتفكير والإنجاز نيابة عنهم، وأسبغوا عليهم عصمة إن أنكروها صراحة فقد كشفها لسان حالهم، وهم يضللون كلّ تجرأ على نقد شيوخهم, حتى لو تورطوا فيما عف عنه ابليس، ووقع في صريح الكفر، بمؤازرته من كفر من أولياء الأمور بل و مؤازرة المحاربين من قادة اليهود و النصارى كما فعل القرضاوي.
أما من جعل شيخه فوق النقد فرأى القذى في عين مخالفيه و تغاضى عن الجذع في عين شيخه, جاز تسجيله كعضو دائم العضوية في "حزب النقطة و التفويض بسبب اعتقاده الضمنّي أنّ فهم النصوص ليس في متناول أيّ عالم ما لم يعكتف على نقطة الباء ليسبر غورها و يكتشف أسرارها لعقد من الزمن !. أمّا كلمة التفويض فلمنح عقله إجازة مفتوحة لوجود من يفكّر عنه .


السلفية حركة يهودية في نظرتها العدائية للمرأة :

فهي تحتقرها وتستقذرها و تهوّن من شانها, فلو اطلقنا على رموز السلفية تسمية فقهاء المرأة لما تعدينا الحقّ . فالمرأة هي حمار السلفية القصير الذي يسعهم ركوبه و ارهاقه دون خشية من خالق او مخلوق. والمرأة عند السلفية هي طاحونة الهواء المهجورة، و الهدف الثابت التي يمارسون عليها تصويباتهم العشوائية، و حملاتهم الدون كيشوتية ،و يوسعونها طعنا برماحهم الصدئة، دون أن يخافوا عقباها . فالمرأة لوحدها هي التي يظهرون من خلالها رجولتهم( سئل جحا على من تظهر رجولتك قال على امي و إخوتي !) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هوامش و تعليقات ــــــــــــــ

(1) استطاع محمد الغزالي التخلص نهائيا من آثار اخوانيته السابقة، وكانت له مواقف شجاعة تستحق الإعجاب و التنويه، منها ما نشره في جريدة النصر العدد 23 سنة 1986 حين كتب " من حق المسلمين ان يعرضوا ما عندهم على غيرهم عرضا عاديا لا تقترن به رغبة او رهبة، فان عطلت اذاعتهم او صودرت كتبهم او حبس دعاتهم جاز لهم ان يقاتلوا حتى يتقرر لهم هذا الحق، أي جاز لهم امن يكسروا السياج الحديدي الذي تختفي وراءه بعض الفلسفات الضالة ".. فكتب الرجل تجمع الإمتاع و الفائدة و خفة الظل و تستحق المطالعة أكثر من مرة كما يعد الغزالي أشهر من استهان بالسلفية و نقدها نقدا لاذعا، و قد لاقى عنتا شديدا من كهنتها حيث اتهم بعداوة السنة المحمدية، و كان ذلك يؤلمه كثيرا, و لكن كتب محمد الغزالي لا تخلو من خيبات أمل و مفاجآت غير سارة، حين يكتب مثلا " و نحن نحني الرأس اجلالا للفقهاء الأربعة ابي حنيفة و مالك و الشافعي و ابن حنبل، و للأئمة الثلاثة ابن حزم و ابن القيم و ابن تيمية و للمصلحين الكبار محمد بن عبد الوهاب و ابن ادريس السنوسي و جمال الدين الأفغاني و محمد عبده و عبد الرحمن الكواكبي و حسن البنا و ابن باديس " ( من كتابه "كيف نفهم الإسلام" ص 98) فقد جمع هنا الدر و الحصى في سلة واحدة!... فالعبد الفقير مثلا، لا يجد بين من ذكرهم الغزالي من يستحق الإحترام غير ابي حنيفة وابن باديس و الكواكبي... كما ساءني من الشيخ ليس فقط عدم التثبت في عقيدة الشيعة فحسب، بل التنويه بالتجربة الخمينية في مواضع عديدة من كتبه الأخيرة .

(2)الدرة الخريدة للنظيفي ص 35 طبع دار الكتب العلمية 1998 بيروت لبنان
و ألإمر الذي لا يختلف بالنسية للميثولوجيا الشيعية فقد ورد في كتاب الكافي للكليني ــ أول مصدر شيعي معتبرّ ــ ثمانية أحاديث تنصّ على: إنّ على الناس أن يقبلوا كلّ ما يصلهم عن الأئمة رضي الله عنهم بدون أدنى سؤال! كما ورد في نفس كتاب الكافي و على لسان أحد أئمة الشيعة قوله : و نحن سر الله و و امانته ( انظر كتاب كسر الصنم ص 175آية الله العظمى ابي الفضل البرقعي)
(3) فمن تعصّب لشيخه ورمى سواه من العلماء العاملين بجهل دين الإسلام , على الرغم من صرفه لأكثر من ستّ عقود من أعمارهم بين كتب العل( فاجأني بعض هؤلاء البؤساء بزعمه أن محمد الغزالي ليس عالما ! " و ذلك بسبب إجتهادات أغضبت السلفيين الذين لا يؤمنون بجواز الإختلاف عمّا لم يرد في تحريمه النص القطعي الدلالة.( وهذا لا يعني وجوب قبول كلّ إجتهادات عالم ما أو أقواله, فالكل يؤخذ من قوله و يردّ مهما علت مكانته، و ارتفع شأنه إلاّ رسول الله صلى الله عليه و سلم . فأنتبه لهذا ).

 

dimanche 27 septembre 2015

ليس هناك اناس يتغيرون بل هناك اقنعة تسقط


الصافي سعيد : قيل اصول بورقيبة سالونيك ...أن بورقيبة تعني – السجين – باللغة الألبانية.




الحبيب بورقيبة – سنوات الصبا من البراءة الى القلق



بقلم : الصافي سعيد
ولد الصبي الحبيب ، مع بزوغ القرن العشرين. و إذ سمع صراخ الحبيب و هو يرتطم بالأرض معلنا عن قدومه وسط الخجل و الانكسار ، فإن القرن العشرين قد كشف هو الآخر عن وجهه البشع من خلال تلك المجاعات التي ضربت الكرة الأرضية من الصين إلى إفريقيا ، و تلك المجازر و المذابح التي اقترفت في حق شعوب كثيرة من روسيا إلى أرمينيا ، و من الجزائر إلى الهند. سار القرن العشرون على جثث كثيرة و هو يتغذى بالمجازر و الخيانات و الدناءة ، باحثا عن المجد و القوة ، و متخطيا الأرض و االفضاء و الزمن و الأبعاد. أما الحبيب الصغير ، فقد راح يحدق في الأفق و هو لا يعرف إلى أين ستقوده خطواته الصغيرة.
كان ثامن إخوته. و كان أصغرهم. و إذ جاء إلى الحياة حين بلغ أبوه من العمر أرذله ، فقد قوبل بتململ واضح. و قد ظن الناس أن أخته التي ولدت قبل سبع سنوات ، هي خاتمة العنقود ، فإذا بالوالدة " فطومة " بنت خفشة الأربعنية تحبل به. و لأن فطومة قد أصبحت في مصاف الجدات لأن البنات كن يتزوجن في سن مبكرة ، و هي التي يبلغ ابنها لا يسمع صياحها بدافع الخجل و الحياء.
حين عرف الأخ الأكبر محمد أن المولود ذكر و ليس أنثى ، قال بصوت عال و خشن و هو يهنئ نفسه : " الحمد لله ، لم يكن المولود أنثى ". و حين سمع الصبي الحبيب تلك الرواية ، لاذ بصمت عميق ، ما لبث أن تطور إلى مساءلة في سنوات النضج عن وضعية المرأة عموما. لما حدثته فطومة لاحقا " بأن الغيرة و الأحقاد كانت أحشاء و قلوب زوجات أعمامه ، لأنها قد أكثرت من إنجاب الذكور أدرك الصبي الحبيب مبكرا أن الإناث محتقرات !.
تطور الخصام بين السلفات. لم تكن والدة الحبيب " فطومة " امرأة مطيعة أو لينة رغم مرضها. فأم لذكور غالبا ما تكون صاحبة سطوة على زوجها. و لذلك فقد قررت أن ترحل من بيت الجد الذي أصبح مقرا لشجار متواصل طوال النهار. و حين وضعت زوجة العم محمد كمية كبيرة من الملح في إناء فطومة ثم عمدت زوجة العم حسن إلى وضع كمية من الرماد في قصعة الكسكسي ، كان على الأب علي و قبل أن يأتي الطفل الحبيب إلى الحياة ، أن يهرب بأبنائه و زوجته إلى دار أخرى خوفا من الفضائح.
كانت " حومة الطرابلسية " التي توجد بها دار جد الحبيب ، الحاج محمد بن علي الأشقر ، عبارة عن مجموعة أزقة متشابكة و مزدحمة بالوافدين و النازحين إلى قرية المنستير منذ أكثر من قرن. لم يولد الصبي الحبيب كبقية أخوته في تلك الدار التي تجمع أبناء الحاج محمد و زوجاتهم ، و إنما ولد بدار أخرى في حي " القرايعية " خارج حومة " الطرابلسية " بعد أن اكتراها والده مفضلا الانسحاب من الشجار و الخصومات. و سوف تبقى " دار الجد " الحاج بورقيبة الأشقر حظيرة للبقر و البهائم بعد أن تركها الجميع تباعا ، إلى أن تتحول إلى مزار بعد أن أصبح الحبيب رئيسا للبلاد التونسية.
كانت هذه الدار ، و كما وقع ترميمها فسيحة و بها ثلاث غرف ، الأولى على اليسار لعم الحبيب سي محمد و هو رجل يكبر علي بحوالي 20 عاما. و قد كان كفيفا و لم ينجب إلا ولدا معتوها. و الثانية تقع في صدر الدار و كان يسكنها عمه سي حسن الذي لم ينجب إلا ثلاث بنات. أما الغرفة التي تقع على اليمين و هي الغرفة التي كان أحد جدرانها مطلا على الشارع فقد شهدت ميلاد أخوة الحبيب جميعا.
و إذ يصعب تحديد السنة التي ولد فيها الحبيب على وجه الدقة ، فإن التاريخ الذي اختاره بورقيبة قد حدد سنة 1903. بيد أن العودة إلى أوراقه المدرسية و تاريخ حصوله على الشهادة الإبتدائية قد يرجح أنه ولد في العام 1901 . و ليس ثمة أن الحبيب قد ولد في الصيف شهر آب / أغسطس ، إلا حبه لبرج الأسد ، إذ اختار أن يسجل نفسه تحت مواليد ذلك البرج. و حين جاء الحبيب إلى الحياة كان أصغر إخوته فتاة تبلغ من العمر حوالي 7 سنوات ، و هذا يعني أن جميعهم ولدوا قبل حلول القرن العشرين. و لو افترضنا أن والده قد تزوج في العام 1880 ، أي قبل بدء الحماية بعام واحد و أن أخاه الأكبر محمد يكبره بـ 21 عاما كما يقول بورقيبة نفسه ، فالأرجح أن يكون الحبيب قد وضع قدميه على الأرض في العام 1901 و ليس في العام 1903. و حين نضيف أن تاريخ حصوله على الشهادة الإبتدائية هو العام 1913 ، يكون من المؤكد أن الولادة حدثت في العام 1901 بحيث إنه حصل على الشهادة و هو في سن الثانية عشرة. و هو عمر مناسب أكثر من عمر الـ 10 سنين ، زيادة على أن رقم 21 سيكون رقما سحريا في حياة هذا الرجل كما سنرى لاحقا!.
***
لم يعرف الصبي الحبيب لا حارات الحومة الطرابلسية و لا صبيتها. فقد ولد و تربي بعيدا عنها ثم ما لبث أن غادر المنستير بصحبة أخيه الأكبر ليتابع دراسته الابتدائية. و حين كبر أدرك أنه نزع بالقوة من تلك الأجواء التي عادت تخيم عليه كحنين جارف جعله سجينا لذكريات ملونة مرة و غائمة أو مشوشة مرة أخرى. كانت تلك الحومة يسكنها القادمون مع جيش الباي حمودة باشا الذي سافر عبر ليبيا نحو تركيا للمشاركة في حرب القرم ، كذلك الهاربون من عسف حكم عائلة القرامنللي على إيالة طرابلس الغرب ، و الباحثون عن عمل موسمي في حقول الزيتون بالساحل و الناجون من المذابح و المجاعات ، بالإضافة إلى بعض العائلات اليهودية الخائفة و الباحثة عن الأمن.
و سيظل بورقيبة مثقلا إلى سن متقدمة بهمّ البحث عن جذوره البعيدة. سوف لن يتنكر أبدا لجذوره الليبية و هو ما ردده مرارا و تكرارا في تونس و طرابلس ، من أن لعائلته قدمت من ليبيا ، بل هو سيقبض على نفسه و هو مورط بالبحث عن عائلته في مصراتة ، حين كان يتابع رحلته إلى المشرق في الأربعينيات ، و لكن ما لم يؤكده أحد بما في ذلك بورقيبة نفسه ، هو ما إذا كانت تلك العائلة ( عائلة بورقيبة ، هي عائلة ليبية – مصراتية أم هي عائلة وافدة على مصراتة في حدود الربع الأول من القرن التاسع عشر ).
تتيح مقارنة الأسماء هنا التأكيد أن اسم بورقيبة مركب على النحو الذي تركب به بعض أسماء العائلات الليبية مثل بورجيلة و بوعوينة و بوسنينة و و بوكريشة و بوذينة و بورويس و بوخشيم ، و هي صيغ تصغيرية. هذه الألقاب بهذه الصيغة التصغيرية غالبا ما تطلق على الوافدين ، لا على الأهالي ، ذلك أن الذي لا يعرف اسم جده أو اسم عائلته ، يصبح ملقبا بما هو بارز منه عضويا أو حتى سلوكيا. فالذي ليملك كرشا صغيرا يصبح بوكريشة ، و الذي يملك رجلا صغيرة ، يعرف تحت اسم بورجيلة. و إذا كانت رقبة أحدهم صغيرة أو قصيرة يصبح حاملا لقب أبو رقيبة.
يأخذنا ذلك التأويل المتارن إلى أن عائلة بورقيبة وافدة على مصراتة التي ظلت إلى منتصف القرن العشرين من أهم موانئ التجارة و الاختلاط البشري. و ما يؤكد ذلك أن عائلة بورقيبة هذه قد انتشرت بعد ذلك في طرابلس ثم في جربة ، حين كانت تحت حكم القرامنللي و منها إلى الساحل في المنستير. و إذ يبدو مسجد بورقيبة بطرابلس كشاهد على أن أحد أفراد هذه العائلة قد مر من هناك ، فإن عائلة بورقيبة بجزيرة جربة تبدو هي الأكبر حجما و عددا من عائلة بورقيبة التي سكنت المنستير مما يرجح خط رحلتها ( مصراتة – طرابلس – جربة – المنستير ). و لكن إذا لم تكن عائلة بورقيبة من أهالي مصراتة القدماء ، فمن أين تكون قد وفدت ؟.
تذهب بعض القراءات بعيدا فتؤكد أن جذور هذه العائلة ألبانية ( 1 ). فيما يؤكد آخرون أنها من أصل يوناني من جزيرة سالونيك ( 2 ). إن بورقيبة نفسه الذي لطالما تغنى بعيونه الزرق " التي لا يمكن أن تنتمي إلى عيون العرب السوداء ( 3 ) " كثيرا ما سوف يتساءل ما إذا كان من أصل عربي أو من أصل أوروبي. و لا تتوقف الأسئلة حول أصل هذا الرجل صاحب العيون الزرق ، بل ستشمل كذلك ديانة هذا الرجل العلماني الجاف الذي أثار كثيرا من المتاعب لرجال الدين الإسلامي حين أصبح رئيسا.
ثمة من يعتقد أن اسم بورقيبة يعني " السجين ( 4 ) " ، و في هذه الحالة سيكون من الأرجح أن يكون المعنى هو الرجل الذي عتق رقبته. و على ذلك الأساس ، فإن التفسير يقوم على أن الجد بورقيبة ، قد عتق عن طريق الهرب عبر البحر إلى مصراتة ، أي إلى ديار الإسلام!.
ثمة كذلك من يعتقد أن بورقيبة من سالونيك ( * ) و من أصل يهودي. و قد اضطر إلى اعتناق الإسلام حين هرب إلى مصراتة ، الأمر الذي يجعل الافتراض الذي يقول أن جامع طرابلس المسمى بجامع بورقيبة قد بني على زاوية قديمة كانت تعرف بزاوية بورقيبة تنعما على روح الشيخ بورقيبة الذي اعتنق الإسلام في سن متقدمة.
و ستظل " يهودية بورقيبة " من الأشياء الغامضة تماما مثل غموض أصله اليوناني أو الألباني ، كذلك مثل غموض تاريخ قدوم جده الأول إلى مصراتة ، و قدوم جده الأخير إلى تونس.
و ثمة افتراض عام من شأنه أن يضع حدا لذلك الغموض و التأويل المتشابك ، هو أن بورقيبة من عائلة تنتمي إلى الكون العثماني سواء كان من سالونيك أو من ألبانيا ، و أنه ينتمي إلى عائلة مسلمة منذ أصبحت نزيلة ديار الإسلام على شاطئ مصراتة. كما أن جده الحاج محمد بن علي الأشقر قد قدم إلى المنستير في حدود عام 1855 أي حين كان عمر والد بورقيبة علي 5 سنوات. فهذا الأب الذي توفي في العام 1926 و عمره يناهز الـ 76 سنة ، و كان قد تزوج و عمره نحو 30 سنة في العام 1880 ، لم يولد في المنستير ، بل من المرجح أن يكون قد ولد إما في جربة قبل أن ينتقل جده إلى المنستير أو في مصراتة.
كان الحاج محمد بورقيبة الذي يلقب بالأشقر قد استقر في حومة الطرابلسية ، مثل الذين سبقوه إليها في موجات متعددة من الهجرة. لا أحد يعرف متى حل الحاج بورقيبة الأشقر ( 5 ) بتلك الحومة ، و لكن الحكايات التي نسجت بعد أن أصبح حفيده رئيسا للبلاد التونسية تبدو مكتنزة بكرم هذا الرجل و شجاعته و غناه. و تبدأ تلك الحكايات في العام 1795 ، حين قرر الحاج الهجرة من مصراتة على إثر قلاقل اجتاحت ولايات الإمبراطورية العثمانية. نزل في البداية في جربة مع أبنائه و عبيده الأربعين و حيواناته و كذلك طبيبه الخاص !. و بعد سنين طويلة انتقل إلى المنستير . و إذ تتكرر الأسماء نفسها في عائلة بورقيبة ، فإن الحقائق كثيرا ما تتداخل ، حتى لا نعود نعرف متى حل بالضبط بالمنستير ، و من الذي حل بالمنستير من جدود الحبيب ، هل هو الحاج محمد الأول الملقب بالكبير أو الحاج محمد الثاني الملقب بالأشقر ؟ كما لا نعرف ما إذا كان الحاج محمد واحدا فقط يلقب مرة بالأشقر و أخرى بالكبير ، أو اثنين ؟ و لكن هناك واقعة مهمة تثبت أن والد الحبيب حين انفجرت ثورة علي بن غذاهم في وجه حكم الحسينيين في العام 1864 ( 6 ) ، كان يبلغ من العمر 14 سنة فقط. أثناء تلك الانتفاضة ، وضعت أملاك الحاج بورقيبة تحت مراقبة جند الجنرال زروق ، كما وضع الحاج محمد في السجن و كان على العائلة أن تجمع ما تملك من ذهب و فضة لتدفعها كفدية لإطلاق سراح الحاج محمد. تلك الفدية سيحملها إلى إدارة الجند المراهق علي والد الحبيب. و حين وقف المراهق مضطربا أمام أحد مساعدي الجنرال زروق ، استبقاه ليقدم نفسه ( 7 ). و في الحين لمح الجنرال عيون المراهق علي الزرق ، فقال له مداعبا : " أنت من أبناء الباب العالي ، فلماذا لا تعمل في الجندية ؟". ثم قام الجنرال ليأذن بإطلاق سراح الأب الحاج محمد. عاد الحاج محمد إلى بيته لينام من التعب ، فإذا بالنوم يأخذه إلى القبر ، أما الابن علي ، فقد أعجبته الفكرة و أصبح من جند الجنرال زروق. أمضى " علي " حوالي 19 عاما في خدمة الباي، و حين ترك تلك الخدمة كان عمره نحو 33 سنة فقط حصل على رتبة رقيب مع خطة تقاعدية قدرت بـ 11 فرنك كل ثلاثة أشهر.
كانت الحماية الفرنسية قد انتصبت على تونس منذ سنتين ، حين غادر الرقيب علي الخدمة العسكرية. كان يبلغ من العمر نحو 33 سنة ، و كان قد تزوج من فطومة بنت خفشة قبل عام فقط من اتفاق قصر السعيد في العام 1881 الذي شرع لتلك الحماية الفرنسية.
و بعملية حسابية نجد أن الوالد علي قد ولد في العام 1850 إذ كان قد توفي في العام 1926 عن عمر يناهز 1976 سنة. و هو ما يؤكد أن هذا الوالد علي قد ولد إما في جربة قبل وصول الحاج محمد إلى المنستير في العام 1955 أو ولد في مصراتة.
لم تعد عائلة الحاج بورقيبة غنية ، أو بالأحرى لم تكن كذلك. فالدار التي كان يسكنها الأولاد ، علي و حسن و محمد لا تحتوي على أكثر من ثلاث غرف. خرجت الأخت آمنة لتتزوج أحمد سقا ثم غادرت الأخت عيشوشة لتتزوج من الحاج يوسف زوتين. و هذان الصهران ينتميان إلى أعيان البلدة. أما الأخوة الذكور فقد اقتسموا البيت ، حيث سيعيش كل واحد منهم مع زوجته و بناته في غرفة ، إلى حين يغادر الأخ علي بيت الوالد إلى دار أخرى خارج حومة الطرابلسية ، قرب القرايعية حيث سيلد الابن الحبيب.
كانت أم الحبيب فطومة ابنة للسيدة خدوجة مزالي. و هذه الأخيرة ، التي تنحدر من " سوس المغرب " ( بربر ) غنية إلى حد يضعها في صف أعيان المنستير. و هي التي رتبت زواج بنتها بعلي والد الحبيب ، كما هي التي ساعدت صهرها – علي – على اكتراء منزل آخر تنتقل إليه ابنتها و أحفادها هربا من الشجار مع السلفات. و إذا عرفنا الآن أن جد الحبيب قادم من مصراتة ( ليبيا ) و يرمي بجذوره البعيدة إلى سالونيك أو ألبانيا ، و أن جدة الحبيب خدوجة مزالي قادمة من بلاد السوس البربرية في المغرب ، يصبح آنذاك من السهل مغامرة الاستنتاج أن الحبيب لم يكن من أصول تونسية لا من جهة الأب و لا من جهة الأم. أما أصوله العربية فستظل في حاجة إلى تأكيد.
إذا كانت الأم فطومة قد ورثت من آل خفشة السمرة و من آل مزالي المثابرة و القوة و الجاه ، و ورث الأب عن جده الأشقر عيونه الزرق و قامته الممشوقة ، فإن الحبيب ، و هو الابن الأخير بعد محمد و أحمد و محمد و محمود و نجية و عايشة ( عيشوشة ) و يونس ( الذي توفي بعد ثلاثة أشهر فقط من ولادته ) سوف يرث من والده زرقة العيون و بياض البشرة و من والدته قوة التصميم و المثابرة. أما قامته القصيرة (  متر و 64 سنتمترا ) و التي كثيرا ما كانت محل تهكم لدى أخوته الكبار كقولهم : " البيضة الفاسدة هي دائما البيضة الصغيرة " أو " من قرب إلى الأرض كثر شره " ، أو " حبة العنقود الأخيرة غالبا ما تكون صغيرة و صفراء " ، فسوف تجعل منه رجلا قلقا و طموحا إلى أبعد حد. و إلى درجة أنه سيكتشف مبكرا أن القامة تزداد طولا كلما صعد صاحبها إلى الفوق ، فوق المنابر أو فوق الأعناق.
و بالرغم من أن الابن سيتربى على احتقار الثكنات و العسكر ، إلا أن والده كان من عساكر الباي. و سوف نعرف أنه ربما الـ 19 سنة التي قضاها والده في خدمة الباي و هو يحمل " البردعة " على ظهره هي التي شحنته بذلك العداء الصارخ لكل ما هو عسكري ، بيد أن والده حين تقدم به العمر لم يجد ما يسد حاجاته غير تلك " الخطة التقاعدية " التي أصبح بمقتضاها يتلقى منحة كل ثلاثة أشهر ، بعد أن عزل من منصب شيخ حومة الطرابلسية. إن البردعة التي كان يحملها الوالد هي التي أرهبت الحبيب و جعلته معاديا للعسكر ، أما السيف الذي ورثه أبوه الرقيب فسوف يبقى رمزا للمجد في نظر الحبيب.
كان الأب علي في البداية قد دخل كجندي عادي في صفوف التريس ( المشاة ) ثم أصبح فيما بعد رقيبا تحت أمرة يوزباشي المنطقة. و سوف لن يتذكر الابن الحبيب من خدمة والده ، سوى حكايات بسيطة يسمعها من الوالد الذي غادر جند الباي قبل مجيئه إلى الحياة بحوالي 21 سنة. كما سوف لن يرث من مجد أبيه سوى ذلك السيف المعلق على جدار السقيفة " بدار القويج " حيث ولد الحبيب ، كرمز للمثابرة و الشرف العائلي و البأس إذ كثيرا ما أدخل الرعب في قلب الصبي ، حين كان يحاول النهوض برجولته لإخراجها من معتقل الدار و الزقاق الضيق و المراهقة المشاغبة. و لأن الأب قد أصبح شيخا بعمر يناهز الـ 58 عاما و بصحة عليلة و هو على خوف كبير من ضياع آخر العنقود ، فقد اختار أن يرسل ذلك الصبي الحبيب بسنواته الست إلى أخيه محمد الذي كان يسكن تونس العاصمة و يعمل كمترجم في الإدارة الفرنسية. هناك سيدخل الطفل الحبيب عالم الخشونة مبكرا. سيعرف حرمان الأم و قسوة زوج الأخ ، و صرامة الأخ الأكبر. سيعرف حرية كانت أقرب إلى الإهمال و الحرمان. كما سيتوزع نهاره بين المدرسة و الشوارع محدقا في بنايات ضخمة و أناس جدد ناشطين.  كل ذلك سيغرس في الصبي الحبيب ميزة التأمل الجارح و الوعي المقارن. و إذ كثيرا ما عوقب من قبل زوجة أخيه التي كانت تنظر إليه كولد شقي و نزق و وسخ ، فإنه لطالما أحزنه الأمر و هو يقارن نفسه بأقرانه تلاميذ الصادقية، فلا يجد في قدمه غير حذاء مثقوب ، و على قامته القصيرة و النحيفة لباسا رثا يفي بداخله حبا فاجعا لأمه و كراهية مقيتة لتلك المرأة القاسية " التي تسكن بيت أخيه ( 8 ) " ، و بعض الحقد على زملاء له أكثروا من التفاخر و الفخفخة. 
مضى الآن أكثر من ربع قرن على نظام الحماية الفرنسية : خطا الصبي الحبيب أولى خطواته في تونس العاصمة نحو الدرس و الاجتهاد و هو مثقل بنصيحة الوالد " عليك بالاجتهاد حتى لا تحمل البردعة " ، و إذ سأله و هو يودعه : و ما البردعة يا أبي ؟ أجابه : " إنها الكساء الذي يوضع على ظهر الحمار. و قد حملها أبوك على كتفيه سنين طويلة أثناء تنقله مع جيش الباي من منطقة إلى أخرى ( 9 ) ". اجتاحت تونس موجة من الغضب دفعت بها أمواج الساحل الشرقي ، حين قذفت بأخبار مظاهرات القاهرة ضد الاحتلال البريطاني ، و لم يتأخر ذلك الغضب حتى كشف عن مجموعة من " الشباب " تحت قيادة علي باش حانبة ، و قد تحمسوا لمقاومة الحماية. و خلف ذلك القلق الكثيف ، خلف محمد الناصر باي ابن عمه الذي كثيرا ما وصف بالباي الشهم ( محمد الهادي باي ).
و لأن " الناصر باي " قد برز كرجل قوي داخل قصر قد أصبح مثقلا بالذنوب و محاصرا بالكراهية و كذلك بالشروط المذلة ، فقد افتتح عهده بتحد سيسجل في تاريخه كنقطة مضيئة. لقد تم إصدار مجلة " العقود و الالتزامات " التي اعتبرت أول عهد للقانون المدني التونسي الحديث. بعد ذلك أدخل هذا الباي لأول مرة نوابا عربا تونسيين في مجلس " الشورى " المشرف على توزيع ميزانية الحكومة و التي كانت فيما مضى تحت قبضة الفرنسيين المطلقة ، ثم أحدث ما أصبح يعرف بقانون " الحالة المدنية " لتسجيل الولادات و الوفيات بالمجلس البلدي. و هذا كله ما أعطى للأهالي بعض الفرص للظهور في معظم قطاعات الحياة.
كانت مدرسة الصادقية من إنجازات " الصادق باي " المشعة و التي ستخفف عنه ذنوب توقيعه على معاهدة الحماية. و قد أقيم ذلك البناء في العام 1875 ، أي قبل انتصاب الحماية بنحو ست سنوات بأمر من " الصادق باي " و تحت إشراف المصلح " خير الدين باشا ". و إذ أطل عليها الصبي المنستيري الحبيب في العام 1907 ( 10 ) ، فقد شاعت شهرتها على نحو أقبل فيه أعيان البورجوازية العقارية و العسكرية و الزراعية ، يتنافسون على إرسال أبنائهم إليها. كان الجيل الذي أصبح يتزعم منظمة " الشباب التونسي " هو الجيل الأول لتلك المدرسة. فعلي باش حانبة و علي بوشوشة و بشير صفر و محمد الأصرم ، هم رموز بداية المقاومة ، كذلك هم أبناء رموز الأرستقراطية التونسية الذين أعدوا خصيصا لخدمة العائلة الحسينية.
إذا كانت الصادقية قد بدأت تعطي ثمارها لتحديث المجتمع في ذلك الوقت ، فإن مدرسة الخلدونية التي تأسست في العام 1896 ، قد جاءت لتحديث تعليم جامعة الزيتونة. كانت الفكرة قد ولدت في أحضان مجموعة من المثقفين تعرفوا إلى الشيخ " محمد عبده " لدى زيارته لتونس ( 11 ). و لأن الخلدونية قد أصبحت هي أيضا منارة للعلوم الحديثة ، فقد تحمس المحامي باش حانبة و الصحافي علي بوشوشة نحو بعث جمعية قدماء الصادقية. تلك الجمعية ستكون بمثابة المصهر الثقافي الجديد لتونس العاصمة و أبناء أحياء باب الجديد و باب سويقة و الحلفاوين و باب الفلة. لم تكن السياسة بعيدة عن هموم أولئك الشباب الطازج و المتعطش للمعرفة و الحرية. و إذ أعجب المحامي باش حانبة و رفاقه بأفكار محمد عبده المصري و أفكار " تركيا الفتاة " ، فقد اختار لتلك الجمعية التي تطورت فأصبحت حزبا سياسيا ، " تونس الفتاة " أو " الشباب التونسي ". و منذ كانون الثاني / يناير 1907 ، سيصدر االشباب التونسي جريدة عرفت " بالتونسي " ناطقة بلسانهم و حاملة لمطالب إصلاحية تذهب إلى حد المطالبة ببرلمان تونسي.
كان الطفل الحبيب قد اندمج في الصادقية دون أن ينسى أبدا أنه قادم من الضواحي. و لذلك فقد تعلم الحذر مبكرا إلى جانب التحدي. ظل يلبس الجبة و الشاشية الحمراء إلى صف الشهادة الإبتدائية ، و لطالما أعجب بالسراويل الإفرنجية و الأحذية اللماعة التي كان يرتديها بعض أقرانه من أبناء الموسرين ، لكنه لم يجد لا الشجاعة و لا الحماسة لكي يطلب من أخيه محمد شراء بعض الملابس الجديدة. كانت المرأة التي تعمل ببيت أخيه الكائن بتربة الباي – قرب مقبرة البايات – تدعى " ضاوية ". لم تكن " بلدية " أي من أصيلي تونس المدينة ، و لكنها تعلمت كل شيء لكي تخفي أصولها الريفية جيدا. هذه المرأة ستغرق الطفل الحبيب في الشعور بالعار و حتى باليتم. و لأنه لا يجد من يشكو إليه غطرسة تلك المرأة التي جعلت منه خادما صغيرا ، و قد ترك أمه و والده في المنستير ، فقد دفن رأسه في الكتب و راح يهيئ نفسه للنجاح. لم يكن ذكيا جدا ، و لكن كان مجتهدا. كذلك لم يكن كسولا في دروسه و لكنه كان مشاغبا. ففي إحدى زيارات والده " الشيخ علي " للمدرسة ، انتحى به المقيم العام للمدرسة ليقول له : " إن الحبيب مهتم بدروسه جديا ، لكنه من النوع المشاغب رغم ما يبدو عليه من إنطوائية ( 12 ) ". لم يعلق الأب علي آنذاك على كلام ناظر المدرسة ، و لكن الابن الذي أصبح فيما بعد رئيسا قال و هو يروي عذاباته : " لقد فهمت منذ تلك اللحظة أن كل شيء قد يكون مسموحا إذا كنا ناجحين ( 13 )".
في الصيف ، كان الحبيب يترك بيت أخيه محمد المترجم ليذهب إلى المنستير. و هناك ينغمس في محيط مليء بالنساء. و بين أمه " فطومة " و جدته و أختيه عيشوشة و نجية سيتعلم الحبيب الطبخ الذي سيتقنه حين يصبح طالبا في باريس أو منفيا في بورج البوف أو حتى رئيسا في قصر قرطاج. كان صبيا شرها رغم نحافته ، و لطالما تلقى عدة توبيخات حين كان يقبض عليه و هو يمد يده في الخفاء لصحن البقلاوة أو و هو يختلي بقصعة الكسكسي المعدة للضيوف كأي قط جائع. و لكن أيام العطلة الصيفية سرعان ما تنتهي حين يرغمه أخوه محمد على مصاحبته و العودة به إلى تونس لحفظ القرآن في الكتاتيب.
كان الحبيب لم يبلغ بعد العاشرة حين أصبح بالقسم الرابع ابتدائي. في تلك السنة سيمر الحبيب بالصدفة أو بالعادة من طريق " باب منارة " ليشاهد الحادث الذي سيؤرخ لمقاومة الاستعمار الفرنسي. كانت أحياء القصبة تعج بالجنود الذين يضعون على رؤوسهم ما يشبه الشاشية التي يخرج من وسطها خيط طويل فينتهي بخيوط قصيرة متشابكة ذات شكل كروي تنزل إلى أسفل العنق. و سأل الصبي الحبيب عن تلك الحشود فقيل له : " إن حادثة مؤلمة وقعت في مقبرة الزلاج".
لقد كانت هذه المقبرة من أحباس العائلات التونسية المسلمة ، و لكن السلطات الفرنسية أرادت أن تضمها إلى البلدية و تنهي أمر الوقف الذي يقال إنه كان لأحد أعيان القيروان. و لأن التونسيين المسلمين قد رأوا في ذلك تدنيسا لمقدساتهم رافضين أن يدفن أموات المسيحيين إلى جانب الأموات الإسلاميين ، فقد عرضت المسألة للتحكيم. و لكن أثناء ذلك وقع صدام بين بعض الأهالي و بعض الأجانب الأمر الذي أدى إلى قتل بعض الإيطاليين ، و هو ما سوف يتطور إلى صدام مسلح مع الجنود الحارسين للمقبرة أدى إلى مقتل بعض التونسيين.
سال الدم على نحو أفزع الجميع. و إذ استمرت تفاعلات ذلك الصدام نحو سنة ، فقد لحق بها حادث آخر شارك في تشكيل ما يمكن أن يسمى بجنين الوعي القادم. ففي اللحظة التي ضغطت فيها المقصلة على أعناق المحكوم عليهم بالإعدام لمشاركتهم في انتفاضة الزلاج و فصلت رؤوسهم عن أجسادهم ، جاء قرار المقيم العام الفرنسي " لابتيت " بإبعاد قيادات " الشباب التونسي " إلى المنفى : علي باش حانبة و عبد العزيز الثعالبي و محمد نعمان تم نفيهم إلى مرسيليا. حسن القلاتي نفي إلى الجزائر. أما الصادق الزمرلي و الشاذلي درغوث فقد أبعدا إغلى تطاوين بالجنوب الفرنسي ، حيث تعتبر من مشمولات الحاكم الفرنسي العسكري.
سوف لن يهتم كثيرا التلميذ الحبيب بورقيبة إن توقف " الترامواي " عن السير ، لأنه قد تعود السير على قدميه الغارقتين في حذاء واسع و مثقوب. و لكن حادثة دوس طفل تونسي تحت عربات " ترامواي " يسوقه أحد الإيطاليين ، سيثير فتنة التساؤلات في رأسه. و قد أجابه أخوه محمد عن ذلك " بأن التونسيين يمتنعون عن ركوب الترامواي لأنهم يريدون معاقبة الإدارة الفرنسية ، و أن ذلك هو ما يسمى بالعصيان المدني". لقد كان أغلب سائقي هذه العربات من الإيطاليين أو التونسيين المتجنسين. فالجالية الإيطالية التي كانت تسكن في تونس كانت أكثر عددا من الجالية الفرنسية. و منذ ذلك الحادث ، أجمع سكان تونس الأهليون على مقاطعة عربات الترامواي إذ قالوا جميعا : " نمشي على أقدامنا أو نركب العربات التي تجرها الخيول و لا نمتطي هذه الآلة القاتلة ( 14 ) ". و فيما ظلت عربات الترامواي تسير فارغة بين القصبة و باب منارة و انتهاء بباب سويقة عبر باب الجديد ، امتلأت صدور السلطات الفرنسية  بالغضب الذي انفجر عندما تم ترحيل قادة " الشباب الفرنسي " إلى المنفى.
تحسس الحبيب و هو مراهق صغير اتجاهه نحو المدرسة مرة اخرى و هو يشعر بفقدانه لدفء والدته. و إذ عرف أن المدينة التي يشقها صباحا و مساء قد أصبحت ساحة لاحتكاك الغرائز ، فقد تساءل طويلا عما يمكن أن يعيد تلك الغرائز إلى سكينتها ؟ لقد حلت الكراهية محلّ التسامح و غطت البشاعة ممارسات السلطات الفرنسية ، حين اتجهت إلى إطلاق النار على الأهالي في المقابر.
انتهى المقام بـ " علي باش حانبة " إلى اسطمنبول ليموت هناك. أما البشير صفر فسوف يتوفى بين أهله. فهذا الوطني الكبير الذي اشتغل بالتدريس في الخلدونية ، و عمل – كقائد – على مدينة سوسة ، فسوف يودع إلى مثواه الأخير بجنازة طويلة جدا أثارت أكثر الأحاسيس اضطراما ، في نفوس الأهالي ، و كادت أن تتحول إلى مذبحة بسبب تدخلات السلطات الفرنسية لتنظيمها. و إذ عارض الأهالي ذلك التدخل البشع ، رأى المراهق الحبيب بورقيبة والده يذرف الدمع على روح الفقيد " صفر " إلى حد ظن فيه بعض الناس أنه من أقارب الميت. تلك الجنازة و معها حادثة مقبرة الزلاج ، و حوادث مقاطعة الترامواي إلى جانب احتجاج الأهالي على اجتياح الطليان لطرابلس عام 1911 ، سوف تحفر علاماتها في لحم المراهق الحبيب بورقيبة. أما أسماء البشير صفر و باش حانبة و الثعالبي ، فسوف تكون علامات مضيئة على طريقه الطويل و الشاق.
و لم تنته جنازة الأستاذ بشير صفر ، حتى قامت جنازة الأم " فطومة ". و رغم أن المسافة بين تونس العاصمة و المنستير طويلة ، سيتمكن الحبيب من حضور مراسم الدفن و هو يبكي كما لم يبك أبدا. و حينما يدخل على جثمانها و هي مسجاة في إحدى الغرف و يقترب منها ليقبلها القبلة الأخيرة سيحس ، لأول مرة أن أجساد الميتين باردة ، الأمر الذي زعزع كيانه فيما بعد و جعله رغم تجاوزه الثمانين يبكي كالطفل و يرتجف كلما تذكر أمه أو وقف أمام قبرها إلى حد يشعر فيه المرء بالتلاشي.
لقد قاست الأم فطومة الكثير كبنات جيلها. كانت رضيعة عندما طلق والدها أحمد خفشة أمها خدوج مزالي لأسباب تافهة ، و هي أنها تكثر من الشخير حين تنام و أحيانا تقدم له الأكل باردا. و سوف تبقى الابنة فطومة بلا زواج إلى حين بلغت الـ 18 ، و هي سن متقدمة حسب عادات ذلك الزمن. و حين تقدم إليها الرقيب علي بن الحاج محمد بورقيبة العائد من الجندية بقليل من الأنفة و بسيف و مرتب تقاعدي ، قبلت به في الحين. و لم تكد هذه الأم أن تفرغ من الولادة و هي تشارف الخمسين حتى توفيت فتركت سبعة أبناء أصغرهم الحبيب البالغ من العمر نحو 12 سنة و زوجا شيخا قد أصبح مدمنا لعب الورق و حكايات عنترة بن شداد. فحين تصل القصة إلى وقوع عنترة في الأسر ، يدهم الشيخ علي نعاس ثقيل فيحمل أشلاءه و يعود إلى داره متوجعا على شبابه و أبنائه البعيدين و خصوصا ابنه الحبيب الذي كان لا يزال مراهقا طريا.
عاد ذلك المراهق إلى تونس و قد زرعت الفاجعة بداخله بذرة النضج. و لم تمض سنة حتى حصل على الشهادة الابتدائية. و لكن ماذا سيفعل به الأخوة بعد أن توفيت الأم و أشرف الأب على الشيخوخة الرذيلة ؟ أحدهم و هو محمد كان فظا معه و أحيانا كان يجنح إلى ضربه ضربا مبرحا ، قال : " ليذهب يتعلم صنعة يعيش منها ذات يوم ". الأخ الثاني و هو أحمد فكر في إرساله إلى المنستير ليبحث عن عمل و يساعد الوالد الشيخ. أما أخوه محمد فقد وقف إلى جانبه فاستدعاه إلى قرية " تالة" في وسط البلاد ليقضي معه وقتا ريثما تتدبر الأمور و ينتعش جسمه الذي راح السل ينهشه.
و في الحقيقة لا أحد من أخوته كان يريد للحبيب أن يواصل تعليمه ، باستثناء أخيه محمود الذي يعمل هو الآخر كمترجم بوزارة العدل. إن محمود الذي يكبره بنحو 15 سنة هو الذي سينتشل أخاه الحبيب من الضياع و يدفع به إلى التسجيل في معهد كارنو ، حيث سيدرس اللغة الفرنسية على يدي أساتذة مهرة و كذلك الرياضيات و التاريخ و بعض الخطوط العريضة للفلسفة الوضعية. و من ثمة سينغمس الحبيب في قراءات لهيغو و جان جاك روسو و برغسون. و بعد أن امتلأ رأسه بعدة أفكار و عدة أسماء و رموز ، سيبدأ المراهق الحبيب في الكشف شيئا فشيئا عن نضج بالغ الحساسية.
الهوامش :
1 – يذكر كتاب صوفي بسيس ( سهير بلحسن ) في جزئه الأول عن بورقيبة منشورات جون أفريك عام 1988 أن بورقيبة تعني – السجين – باللغة الألبانية. لكنها لا تذكر أكثر من ذلك.
2 – يعتقد أحد المثقفين الليبيين أن عائلة بورقيبة أصلها من سالونيك و هو ينقل ذلك عن حكايات توارثتها عائلات مصراتة. و قد تحدث ( المؤلف ) في ذلك مع الدكتور علي فهيم خشيم االذي هو على دراية واسعة بالألقاب و الأسماء. و قد أكد أن عائلة بورقيبة هي عائلة مصراتية ، لكنه لا يستطيع أن يؤكد ما إذا كانت أصيلة ليبيا أو وافدة من فضاء الدولة العثمانية ، خصوصا أن مصراتة مرفأ تجاري و نقطة عبور إلى الساحل التونسي.
أما ما يؤكده الأستاذ إبراهيم أحمد أبو القاسم في أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراة من الجامعة التونسية و التي نشرت في كتاب " المهاجرون الليبيون بالبلاد التونسية " – منشورات عبدالكريم بن عبدالله – عام 1992 ، فإن عائلة بورقيبة من العائلات المعروفة حتى الآن في مدينة " مصراتة " و هي تنتمي إلى قبيلة ( الدرادفة ) التي بلغ مجموع أفرادها سنة 1917 حوالي ( 1300 نسمة ). و تتكون هذه القبيلة من الملحمات الآتية : النواصف – الرضاونة – المعاتقة ، أولاد رجب – السقائف.
3 -  قال ذلك بورقيبة للسيدة التي أصبحت زوجته الأولى فيما بعد : " ماتيلد " و التي أصبحت تعرف فيما بعد بمفيدة بورقيبة. كما أن كثيرا من زملاء بورقيبة و وزرائه يؤكدون تكراره لذلك القول.
4 – كتاب صوفي بسيس ( سهير بلحسن ) منشورات جون أفريك – عام 1988 .
5 – إن لقب " ألأشقر " هو صفة أو كنية أطلقت على الجد بورقيبة و هذا يؤكد انتماءه إلى " الجالية الشقراء " أي القادمين من فضاءات البلقان في الدولة العثمانية.
6 – ثورة علي بن غذاهم ، كانت انتفاضة لمزراعي الوسط الشرقي ( تونس ) الذين تم تفقيرهم بزيادة الضرائب و تصاعد الجباية. و قد انتهت مساومة بين زعمائها ، ( و هم مجموعة من رؤساء القبائل ) و بين البايات ، و ذلك بعد حملة قمع رهيبة استعمل فيها الجنرال زروق أبناء الساحل ضد أبناء الوسط.
7 – ذكر ذلك بورقيبة أثناء محاضراته التي ألقاها على طلبة معهد الصحافة في كلية الآداب بتونس عام 1973 .
8 -  المصدر نفسه ، و هي محاضرات طبعت في كتاب عام 1974 حمل عنوان محاضرات في تاريخ الحركة الوطنية ( حياتي – آرائي – جهادي ).
9 – المصدر نفسه.
10 – دخول الحبيب إلى المدرسة الصادقية عام 1907 كما هو موثق ، يفيد مرة أخرى أنه مولود عام 1901 أو 1900 و ليس عام 1903 ، إذ ليس من المعقول أن يصبح تلميذا و هو لم يبلغ الرابعة.
11 – زار الشيخ محمد عبده تونس مرتين ، الأولى في آخر القرن التاسع عشر ، و الثانية في بداية القرن العشرين. و قد التقى بالعديد من وجوه النحبة التونسية في ذلك الوقت. فكان محرضا كبيرا على النضال و الوطنية للشباب التونسي.
12 – كتاب ( حياتي – آرائي – جهادي ) مجموعة محاضرات من إصدارات الحزب الحاكم عام 1974 .
13 – من محاضرة لبورقيبة في العام 1973 أمام معهد الصحافة و علوم الأخبار – نشرت في كتاب تحت عنوان حياتي ، آرائي ، جهادي.
14 – المصدر نفسه.
* نقلا عن  مجلة ألف :
يعتقد بهذا الخصوص أن الذهنية التي كانت تقف وراء مصطفى كمال أتاتورك ( مؤسس تركيا الحديثة ) هي نفس الذهنية التي تقف وراء الحبيب بورقيبة. كانت الخلفيات و المؤثرات التي اشتركت في رسم حدود الشخصيتين متطابقة ، لا سيما من الناحية الجدلية للدين و الدولة . و يعتقد أن كليهما كان عضوا في الماسونية أو الروتارية الدولية. ثم إنهما من سالونيك بالولادة ، إذا صح الافتراض. بإيجاز كانت الاتجاهات نصف الدستورية في تونس و تركيا تلعب على وتر العلمانية و الاستقلال و القطيعة مع الماضي ، و لكن الأنظمة الثورية التي اجتاحت سوريا و مصر ، كانت على العكس ، لا تتمسك بغير البند الثالث مما سبق مع إضافة بنود أخرى أساسية أهمها الحزب القائد وبعض من صفات رومنسية الغاية منها التجسيم و المبالغة ، و هو نفس الخط الذي وضع أسسه المارشال تيتو، كنسخة استشراقية من عظماء الغرب أمثال غاريبالدي أو نابليون ،  إلخ
...


الحبيب بورقيبة – سنوات الصبا من البراءة الى القلق





الحبيب بورقيبة – سنوات الصبا من البراءة الى القلق




بقلم : الصافي سعيد
ولد الصبي الحبيب ، مع بزوغ القرن العشرين. و إذ سمع صراخ الحبيب و هو يرتطم بالأرض معلنا عن قدومه وسط الخجل و الانكسار ، فإن القرن العشرين قد كشف هو الآخر عن وجهه البشع من خلال تلك المجاعات التي ضربت الكرة الأرضية من الصين إلى إفريقيا ، و تلك المجازر و المذابح التي اقترفت في حق شعوب كثيرة من روسيا إلى أرمينيا ، و من الجزائر إلى الهند. سار القرن العشرون على جثث كثيرة و هو يتغذى بالمجازر و الخيانات و الدناءة ، باحثا عن المجد و القوة ، و متخطيا الأرض و االفضاء و الزمن و الأبعاد. أما الحبيب الصغير ، فقد راح يحدق في الأفق و هو لا يعرف إلى أين ستقوده خطواته الصغيرة.
كان ثامن إخوته. و كان أصغرهم. و إذ جاء إلى الحياة حين بلغ أبوه من العمر أرذله ، فقد قوبل بتململ واضح. و قد ظن الناس أن أخته التي ولدت قبل سبع سنوات ، هي خاتمة العنقود ، فإذا بالوالدة " فطومة " بنت خفشة الأربعنية تحبل به. و لأن فطومة قد أصبحت في مصاف الجدات لأن البنات كن يتزوجن في سن مبكرة ، و هي التي يبلغ ابنها لا يسمع صياحها بدافع الخجل و الحياء.
حين عرف الأخ الأكبر محمد أن المولود ذكر و ليس أنثى ، قال بصوت عال و خشن و هو يهنئ نفسه : " الحمد لله ، لم يكن المولود أنثى ". و حين سمع الصبي الحبيب تلك الرواية ، لاذ بصمت عميق ، ما لبث أن تطور إلى مساءلة في سنوات النضج عن وضعية المرأة عموما. لما حدثته فطومة لاحقا " بأن الغيرة و الأحقاد كانت أحشاء و قلوب زوجات أعمامه ، لأنها قد أكثرت من إنجاب الذكور أدرك الصبي الحبيب مبكرا أن الإناث محتقرات !.
تطور الخصام بين السلفات. لم تكن والدة الحبيب " فطومة " امرأة مطيعة أو لينة رغم مرضها. فأم لذكور غالبا ما تكون صاحبة سطوة على زوجها. و لذلك فقد قررت أن ترحل من بيت الجد الذي أصبح مقرا لشجار متواصل طوال النهار. و حين وضعت زوجة العم محمد كمية كبيرة من الملح في إناء فطومة ثم عمدت زوجة العم حسن إلى وضع كمية من الرماد في قصعة الكسكسي ، كان على الأب علي و قبل أن يأتي الطفل الحبيب إلى الحياة ، أن يهرب بأبنائه و زوجته إلى دار أخرى خوفا من الفضائح.
كانت " حومة الطرابلسية " التي توجد بها دار جد الحبيب ، الحاج محمد بن علي الأشقر ، عبارة عن مجموعة أزقة متشابكة و مزدحمة بالوافدين و النازحين إلى قرية المنستير منذ أكثر من قرن. لم يولد الصبي الحبيب كبقية أخوته في تلك الدار التي تجمع أبناء الحاج محمد و زوجاتهم ، و إنما ولد بدار أخرى في حي " القرايعية " خارج حومة " الطرابلسية " بعد أن اكتراها والده مفضلا الانسحاب من الشجار و الخصومات. و سوف تبقى " دار الجد " الحاج بورقيبة الأشقر حظيرة للبقر و البهائم بعد أن تركها الجميع تباعا ، إلى أن تتحول إلى مزار بعد أن أصبح الحبيب رئيسا للبلاد التونسية.
كانت هذه الدار ، و كما وقع ترميمها فسيحة و بها ثلاث غرف ، الأولى على اليسار لعم الحبيب سي محمد و هو رجل يكبر علي بحوالي 20 عاما. و قد كان كفيفا و لم ينجب إلا ولدا معتوها. و الثانية تقع في صدر الدار و كان يسكنها عمه سي حسن الذي لم ينجب إلا ثلاث بنات. أما الغرفة التي تقع على اليمين و هي الغرفة التي كان أحد جدرانها مطلا على الشارع فقد شهدت ميلاد أخوة الحبيب جميعا.
و إذ يصعب تحديد السنة التي ولد فيها الحبيب على وجه الدقة ، فإن التاريخ الذي اختاره بورقيبة قد حدد سنة 1903. بيد أن العودة إلى أوراقه المدرسية و تاريخ حصوله على الشهادة الإبتدائية قد يرجح أنه ولد في العام 1901 . و ليس ثمة أن الحبيب قد ولد في الصيف شهر آب / أغسطس ، إلا حبه لبرج الأسد ، إذ اختار أن يسجل نفسه تحت مواليد ذلك البرج. و حين جاء الحبيب إلى الحياة كان أصغر إخوته فتاة تبلغ من العمر حوالي 7 سنوات ، و هذا يعني أن جميعهم ولدوا قبل حلول القرن العشرين. و لو افترضنا أن والده قد تزوج في العام 1880 ، أي قبل بدء الحماية بعام واحد و أن أخاه الأكبر محمد يكبره بـ 21 عاما كما يقول بورقيبة نفسه ، فالأرجح أن يكون الحبيب قد وضع قدميه على الأرض في العام 1901 و ليس في العام 1903. و حين نضيف أن تاريخ حصوله على الشهادة الإبتدائية هو العام 1913 ، يكون من المؤكد أن الولادة حدثت في العام 1901 بحيث إنه حصل على الشهادة و هو في سن الثانية عشرة. و هو عمر مناسب أكثر من عمر الـ 10 سنين ، زيادة على أن رقم 21 سيكون رقما سحريا في حياة هذا الرجل كما سنرى لاحقا!.
***
لم يعرف الصبي الحبيب لا حارات الحومة الطرابلسية و لا صبيتها. فقد ولد و تربي بعيدا عنها ثم ما لبث أن غادر المنستير بصحبة أخيه الأكبر ليتابع دراسته الابتدائية. و حين كبر أدرك أنه نزع بالقوة من تلك الأجواء التي عادت تخيم عليه كحنين جارف جعله سجينا لذكريات ملونة مرة و غائمة أو مشوشة مرة أخرى. كانت تلك الحومة يسكنها القادمون مع جيش الباي حمودة باشا الذي سافر عبر ليبيا نحو تركيا للمشاركة في حرب القرم ، كذلك الهاربون من عسف حكم عائلة القرامنللي على إيالة طرابلس الغرب ، و الباحثون عن عمل موسمي في حقول الزيتون بالساحل و الناجون من المذابح و المجاعات ، بالإضافة إلى بعض العائلات اليهودية الخائفة و الباحثة عن الأمن.
و سيظل بورقيبة مثقلا إلى سن متقدمة بهمّ البحث عن جذوره البعيدة. سوف لن يتنكر أبدا لجذوره الليبية و هو ما ردده مرارا و تكرارا في تونس و طرابلس ، من أن لعائلته قدمت من ليبيا ، بل هو سيقبض على نفسه و هو مورط بالبحث عن عائلته في مصراتة ، حين كان يتابع رحلته إلى المشرق في الأربعينيات ، و لكن ما لم يؤكده أحد بما في ذلك بورقيبة نفسه ، هو ما إذا كانت تلك العائلة ( عائلة بورقيبة ، هي عائلة ليبية – مصراتية أم هي عائلة وافدة على مصراتة في حدود الربع الأول من القرن التاسع عشر ).
تتيح مقارنة الأسماء هنا التأكيد أن اسم بورقيبة مركب على النحو الذي تركب به بعض أسماء العائلات الليبية مثل بورجيلة و بوعوينة و بوسنينة و و بوكريشة و بوذينة و بورويس و بوخشيم ، و هي صيغ تصغيرية. هذه الألقاب بهذه الصيغة التصغيرية غالبا ما تطلق على الوافدين ، لا على الأهالي ، ذلك أن الذي لا يعرف اسم جده أو اسم عائلته ، يصبح ملقبا بما هو بارز منه عضويا أو حتى سلوكيا. فالذي ليملك كرشا صغيرا يصبح بوكريشة ، و الذي يملك رجلا صغيرة ، يعرف تحت اسم بورجيلة. و إذا كانت رقبة أحدهم صغيرة أو قصيرة يصبح حاملا لقب أبو رقيبة.
يأخذنا ذلك التأويل المتارن إلى أن عائلة بورقيبة وافدة على مصراتة التي ظلت إلى منتصف القرن العشرين من أهم موانئ التجارة و الاختلاط البشري. و ما يؤكد ذلك أن عائلة بورقيبة هذه قد انتشرت بعد ذلك في طرابلس ثم في جربة ، حين كانت تحت حكم القرامنللي و منها إلى الساحل في المنستير. و إذ يبدو مسجد بورقيبة بطرابلس كشاهد على أن أحد أفراد هذه العائلة قد مر من هناك ، فإن عائلة بورقيبة بجزيرة جربة تبدو هي الأكبر حجما و عددا من عائلة بورقيبة التي سكنت المنستير مما يرجح خط رحلتها ( مصراتة – طرابلس – جربة – المنستير ). و لكن إذا لم تكن عائلة بورقيبة من أهالي مصراتة القدماء ، فمن أين تكون قد وفدت ؟.
تذهب بعض القراءات بعيدا فتؤكد أن جذور هذه العائلة ألبانية ( 1 ). فيما يؤكد آخرون أنها من أصل يوناني من جزيرة سالونيك ( 2 ). إن بورقيبة نفسه الذي لطالما تغنى بعيونه الزرق " التي لا يمكن أن تنتمي إلى عيون العرب السوداء ( 3 ) " كثيرا ما سوف يتساءل ما إذا كان من أصل عربي أو من أصل أوروبي. و لا تتوقف الأسئلة حول أصل هذا الرجل صاحب العيون الزرق ، بل ستشمل كذلك ديانة هذا الرجل العلماني الجاف الذي أثار كثيرا من المتاعب لرجال الدين الإسلامي حين أصبح رئيسا.
ثمة من يعتقد أن اسم بورقيبة يعني " السجين ( 4 ) " ، و في هذه الحالة سيكون من الأرجح أن يكون المعنى هو الرجل الذي عتق رقبته. و على ذلك الأساس ، فإن التفسير يقوم على أن الجد بورقيبة ، قد عتق عن طريق الهرب عبر البحر إلى مصراتة ، أي إلى ديار الإسلام!.
ثمة كذلك من يعتقد أن بورقيبة من سالونيك ( * ) و من أصل يهودي. و قد اضطر إلى اعتناق الإسلام حين هرب إلى مصراتة ، الأمر الذي يجعل الافتراض الذي يقول أن جامع طرابلس المسمى بجامع بورقيبة قد بني على زاوية قديمة كانت تعرف بزاوية بورقيبة تنعما على روح الشيخ بورقيبة الذي اعتنق الإسلام في سن متقدمة.
و ستظل " يهودية بورقيبة " من الأشياء الغامضة تماما مثل غموض أصله اليوناني أو الألباني ، كذلك مثل غموض تاريخ قدوم جده الأول إلى مصراتة ، و قدوم جده الأخير إلى تونس.
و ثمة افتراض عام من شأنه أن يضع حدا لذلك الغموض و التأويل المتشابك ، هو أن بورقيبة من عائلة تنتمي إلى الكون العثماني سواء كان من سالونيك أو من ألبانيا ، و أنه ينتمي إلى عائلة مسلمة منذ أصبحت نزيلة ديار الإسلام على شاطئ مصراتة. كما أن جده الحاج محمد بن علي الأشقر قد قدم إلى المنستير في حدود عام 1855 أي حين كان عمر والد بورقيبة علي 5 سنوات. فهذا الأب الذي توفي في العام 1926 و عمره يناهز الـ 76 سنة ، و كان قد تزوج و عمره نحو 30 سنة في العام 1880 ، لم يولد في المنستير ، بل من المرجح أن يكون قد ولد إما في جربة قبل أن ينتقل جده إلى المنستير أو في مصراتة.
كان الحاج محمد بورقيبة الذي يلقب بالأشقر قد استقر في حومة الطرابلسية ، مثل الذين سبقوه إليها في موجات متعددة من الهجرة. لا أحد يعرف متى حل الحاج بورقيبة الأشقر ( 5 ) بتلك الحومة ، و لكن الحكايات التي نسجت بعد أن أصبح حفيده رئيسا للبلاد التونسية تبدو مكتنزة بكرم هذا الرجل و شجاعته و غناه. و تبدأ تلك الحكايات في العام 1795 ، حين قرر الحاج الهجرة من مصراتة على إثر قلاقل اجتاحت ولايات الإمبراطورية العثمانية. نزل في البداية في جربة مع أبنائه و عبيده الأربعين و حيواناته و كذلك طبيبه الخاص !. و بعد سنين طويلة انتقل إلى المنستير . و إذ تتكرر الأسماء نفسها في عائلة بورقيبة ، فإن الحقائق كثيرا ما تتداخل ، حتى لا نعود نعرف متى حل بالضبط بالمنستير ، و من الذي حل بالمنستير من جدود الحبيب ، هل هو الحاج محمد الأول الملقب بالكبير أو الحاج محمد الثاني الملقب بالأشقر ؟ كما لا نعرف ما إذا كان الحاج محمد واحدا فقط يلقب مرة بالأشقر و أخرى بالكبير ، أو اثنين ؟ و لكن هناك واقعة مهمة تثبت أن والد الحبيب حين انفجرت ثورة علي بن غذاهم في وجه حكم الحسينيين في العام 1864 ( 6 ) ، كان يبلغ من العمر 14 سنة فقط. أثناء تلك الانتفاضة ، وضعت أملاك الحاج بورقيبة تحت مراقبة جند الجنرال زروق ، كما وضع الحاج محمد في السجن و كان على العائلة أن تجمع ما تملك من ذهب و فضة لتدفعها كفدية لإطلاق سراح الحاج محمد. تلك الفدية سيحملها إلى إدارة الجند المراهق علي والد الحبيب. و حين وقف المراهق مضطربا أمام أحد مساعدي الجنرال زروق ، استبقاه ليقدم نفسه ( 7 ). و في الحين لمح الجنرال عيون المراهق علي الزرق ، فقال له مداعبا : " أنت من أبناء الباب العالي ، فلماذا لا تعمل في الجندية ؟". ثم قام الجنرال ليأذن بإطلاق سراح الأب الحاج محمد. عاد الحاج محمد إلى بيته لينام من التعب ، فإذا بالنوم يأخذه إلى القبر ، أما الابن علي ، فقد أعجبته الفكرة و أصبح من جند الجنرال زروق. أمضى " علي " حوالي 19 عاما في خدمة الباي، و حين ترك تلك الخدمة كان عمره نحو 33 سنة فقط حصل على رتبة رقيب مع خطة تقاعدية قدرت بـ 11 فرنك كل ثلاثة أشهر.
كانت الحماية الفرنسية قد انتصبت على تونس منذ سنتين ، حين غادر الرقيب علي الخدمة العسكرية. كان يبلغ من العمر نحو 33 سنة ، و كان قد تزوج من فطومة بنت خفشة قبل عام فقط من اتفاق قصر السعيد في العام 1881 الذي شرع لتلك الحماية الفرنسية.
و بعملية حسابية نجد أن الوالد علي قد ولد في العام 1850 إذ كان قد توفي في العام 1926 عن عمر يناهز 1976 سنة. و هو ما يؤكد أن هذا الوالد علي قد ولد إما في جربة قبل وصول الحاج محمد إلى المنستير في العام 1955 أو ولد في مصراتة.
لم تعد عائلة الحاج بورقيبة غنية ، أو بالأحرى لم تكن كذلك. فالدار التي كان يسكنها الأولاد ، علي و حسن و محمد لا تحتوي على أكثر من ثلاث غرف. خرجت الأخت آمنة لتتزوج أحمد سقا ثم غادرت الأخت عيشوشة لتتزوج من الحاج يوسف زوتين. و هذان الصهران ينتميان إلى أعيان البلدة. أما الأخوة الذكور فقد اقتسموا البيت ، حيث سيعيش كل واحد منهم مع زوجته و بناته في غرفة ، إلى حين يغادر الأخ علي بيت الوالد إلى دار أخرى خارج حومة الطرابلسية ، قرب القرايعية حيث سيلد الابن الحبيب.
كانت أم الحبيب فطومة ابنة للسيدة خدوجة مزالي. و هذه الأخيرة ، التي تنحدر من " سوس المغرب " ( بربر ) غنية إلى حد يضعها في صف أعيان المنستير. و هي التي رتبت زواج بنتها بعلي والد الحبيب ، كما هي التي ساعدت صهرها – علي – على اكتراء منزل آخر تنتقل إليه ابنتها و أحفادها هربا من الشجار مع السلفات. و إذا عرفنا الآن أن جد الحبيب قادم من مصراتة ( ليبيا ) و يرمي بجذوره البعيدة إلى سالونيك أو ألبانيا ، و أن جدة الحبيب خدوجة مزالي قادمة من بلاد السوس البربرية في المغرب ، يصبح آنذاك من السهل مغامرة الاستنتاج أن الحبيب لم يكن من أصول تونسية لا من جهة الأب و لا من جهة الأم. أما أصوله العربية فستظل في حاجة إلى تأكيد.
إذا كانت الأم فطومة قد ورثت من آل خفشة السمرة و من آل مزالي المثابرة و القوة و الجاه ، و ورث الأب عن جده الأشقر عيونه الزرق و قامته الممشوقة ، فإن الحبيب ، و هو الابن الأخير بعد محمد و أحمد و محمد و محمود و نجية و عايشة ( عيشوشة ) و يونس ( الذي توفي بعد ثلاثة أشهر فقط من ولادته ) سوف يرث من والده زرقة العيون و بياض البشرة و من والدته قوة التصميم و المثابرة. أما قامته القصيرة (  متر و 64 سنتمترا ) و التي كثيرا ما كانت محل تهكم لدى أخوته الكبار كقولهم : " البيضة الفاسدة هي دائما البيضة الصغيرة " أو " من قرب إلى الأرض كثر شره " ، أو " حبة العنقود الأخيرة غالبا ما تكون صغيرة و صفراء " ، فسوف تجعل منه رجلا قلقا و طموحا إلى أبعد حد. و إلى درجة أنه سيكتشف مبكرا أن القامة تزداد طولا كلما صعد صاحبها إلى الفوق ، فوق المنابر أو فوق الأعناق.
و بالرغم من أن الابن سيتربى على احتقار الثكنات و العسكر ، إلا أن والده كان من عساكر الباي. و سوف نعرف أنه ربما الـ 19 سنة التي قضاها والده في خدمة الباي و هو يحمل " البردعة " على ظهره هي التي شحنته بذلك العداء الصارخ لكل ما هو عسكري ، بيد أن والده حين تقدم به العمر لم يجد ما يسد حاجاته غير تلك " الخطة التقاعدية " التي أصبح بمقتضاها يتلقى منحة كل ثلاثة أشهر ، بعد أن عزل من منصب شيخ حومة الطرابلسية. إن البردعة التي كان يحملها الوالد هي التي أرهبت الحبيب و جعلته معاديا للعسكر ، أما السيف الذي ورثه أبوه الرقيب فسوف يبقى رمزا للمجد في نظر الحبيب.
كان الأب علي في البداية قد دخل كجندي عادي في صفوف التريس ( المشاة ) ثم أصبح فيما بعد رقيبا تحت أمرة يوزباشي المنطقة. و سوف لن يتذكر الابن الحبيب من خدمة والده ، سوى حكايات بسيطة يسمعها من الوالد الذي غادر جند الباي قبل مجيئه إلى الحياة بحوالي 21 سنة. كما سوف لن يرث من مجد أبيه سوى ذلك السيف المعلق على جدار السقيفة " بدار القويج " حيث ولد الحبيب ، كرمز للمثابرة و الشرف العائلي و البأس إذ كثيرا ما أدخل الرعب في قلب الصبي ، حين كان يحاول النهوض برجولته لإخراجها من معتقل الدار و الزقاق الضيق و المراهقة المشاغبة. و لأن الأب قد أصبح شيخا بعمر يناهز الـ 58 عاما و بصحة عليلة و هو على خوف كبير من ضياع آخر العنقود ، فقد اختار أن يرسل ذلك الصبي الحبيب بسنواته الست إلى أخيه محمد الذي كان يسكن تونس العاصمة و يعمل كمترجم في الإدارة الفرنسية. هناك سيدخل الطفل الحبيب عالم الخشونة مبكرا. سيعرف حرمان الأم و قسوة زوج الأخ ، و صرامة الأخ الأكبر. سيعرف حرية كانت أقرب إلى الإهمال و الحرمان. كما سيتوزع نهاره بين المدرسة و الشوارع محدقا في بنايات ضخمة و أناس جدد ناشطين.  كل ذلك سيغرس في الصبي الحبيب ميزة التأمل الجارح و الوعي المقارن. و إذ كثيرا ما عوقب من قبل زوجة أخيه التي كانت تنظر إليه كولد شقي و نزق و وسخ ، فإنه لطالما أحزنه الأمر و هو يقارن نفسه بأقرانه تلاميذ الصادقية، فلا يجد في قدمه غير حذاء مثقوب ، و على قامته القصيرة و النحيفة لباسا رثا يفي بداخله حبا فاجعا لأمه و كراهية مقيتة لتلك المرأة القاسية " التي تسكن بيت أخيه ( 8 ) " ، و بعض الحقد على زملاء له أكثروا من التفاخر و الفخفخة. 
مضى الآن أكثر من ربع قرن على نظام الحماية الفرنسية : خطا الصبي الحبيب أولى خطواته في تونس العاصمة نحو الدرس و الاجتهاد و هو مثقل بنصيحة الوالد " عليك بالاجتهاد حتى لا تحمل البردعة " ، و إذ سأله و هو يودعه : و ما البردعة يا أبي ؟ أجابه : " إنها الكساء الذي يوضع على ظهر الحمار. و قد حملها أبوك على كتفيه سنين طويلة أثناء تنقله مع جيش الباي من منطقة إلى أخرى ( 9 ) ". اجتاحت تونس موجة من الغضب دفعت بها أمواج الساحل الشرقي ، حين قذفت بأخبار مظاهرات القاهرة ضد الاحتلال البريطاني ، و لم يتأخر ذلك الغضب حتى كشف عن مجموعة من " الشباب " تحت قيادة علي باش حانبة ، و قد تحمسوا لمقاومة الحماية. و خلف ذلك القلق الكثيف ، خلف محمد الناصر باي ابن عمه الذي كثيرا ما وصف بالباي الشهم ( محمد الهادي باي ).
و لأن " الناصر باي " قد برز كرجل قوي داخل قصر قد أصبح مثقلا بالذنوب و محاصرا بالكراهية و كذلك بالشروط المذلة ، فقد افتتح عهده بتحد سيسجل في تاريخه كنقطة مضيئة. لقد تم إصدار مجلة " العقود و الالتزامات " التي اعتبرت أول عهد للقانون المدني التونسي الحديث. بعد ذلك أدخل هذا الباي لأول مرة نوابا عربا تونسيين في مجلس " الشورى " المشرف على توزيع ميزانية الحكومة و التي كانت فيما مضى تحت قبضة الفرنسيين المطلقة ، ثم أحدث ما أصبح يعرف بقانون " الحالة المدنية " لتسجيل الولادات و الوفيات بالمجلس البلدي. و هذا كله ما أعطى للأهالي بعض الفرص للظهور في معظم قطاعات الحياة.
كانت مدرسة الصادقية من إنجازات " الصادق باي " المشعة و التي ستخفف عنه ذنوب توقيعه على معاهدة الحماية. و قد أقيم ذلك البناء في العام 1875 ، أي قبل انتصاب الحماية بنحو ست سنوات بأمر من " الصادق باي " و تحت إشراف المصلح " خير الدين باشا ". و إذ أطل عليها الصبي المنستيري الحبيب في العام 1907 ( 10 ) ، فقد شاعت شهرتها على نحو أقبل فيه أعيان البورجوازية العقارية و العسكرية و الزراعية ، يتنافسون على إرسال أبنائهم إليها. كان الجيل الذي أصبح يتزعم منظمة " الشباب التونسي " هو الجيل الأول لتلك المدرسة. فعلي باش حانبة و علي بوشوشة و بشير صفر و محمد الأصرم ، هم رموز بداية المقاومة ، كذلك هم أبناء رموز الأرستقراطية التونسية الذين أعدوا خصيصا لخدمة العائلة الحسينية.
إذا كانت الصادقية قد بدأت تعطي ثمارها لتحديث المجتمع في ذلك الوقت ، فإن مدرسة الخلدونية التي تأسست في العام 1896 ، قد جاءت لتحديث تعليم جامعة الزيتونة. كانت الفكرة قد ولدت في أحضان مجموعة من المثقفين تعرفوا إلى الشيخ " محمد عبده " لدى زيارته لتونس ( 11 ). و لأن الخلدونية قد أصبحت هي أيضا منارة للعلوم الحديثة ، فقد تحمس المحامي باش حانبة و الصحافي علي بوشوشة نحو بعث جمعية قدماء الصادقية. تلك الجمعية ستكون بمثابة المصهر الثقافي الجديد لتونس العاصمة و أبناء أحياء باب الجديد و باب سويقة و الحلفاوين و باب الفلة. لم تكن السياسة بعيدة عن هموم أولئك الشباب الطازج و المتعطش للمعرفة و الحرية. و إذ أعجب المحامي باش حانبة و رفاقه بأفكار محمد عبده المصري و أفكار " تركيا الفتاة " ، فقد اختار لتلك الجمعية التي تطورت فأصبحت حزبا سياسيا ، " تونس الفتاة " أو " الشباب التونسي ". و منذ كانون الثاني / يناير 1907 ، سيصدر االشباب التونسي جريدة عرفت " بالتونسي " ناطقة بلسانهم و حاملة لمطالب إصلاحية تذهب إلى حد المطالبة ببرلمان تونسي.
كان الطفل الحبيب قد اندمج في الصادقية دون أن ينسى أبدا أنه قادم من الضواحي. و لذلك فقد تعلم الحذر مبكرا إلى جانب التحدي. ظل يلبس الجبة و الشاشية الحمراء إلى صف الشهادة الإبتدائية ، و لطالما أعجب بالسراويل الإفرنجية و الأحذية اللماعة التي كان يرتديها بعض أقرانه من أبناء الموسرين ، لكنه لم يجد لا الشجاعة و لا الحماسة لكي يطلب من أخيه محمد شراء بعض الملابس الجديدة. كانت المرأة التي تعمل ببيت أخيه الكائن بتربة الباي – قرب مقبرة البايات – تدعى " ضاوية ". لم تكن " بلدية " أي من أصيلي تونس المدينة ، و لكنها تعلمت كل شيء لكي تخفي أصولها الريفية جيدا. هذه المرأة ستغرق الطفل الحبيب في الشعور بالعار و حتى باليتم. و لأنه لا يجد من يشكو إليه غطرسة تلك المرأة التي جعلت منه خادما صغيرا ، و قد ترك أمه و والده في المنستير ، فقد دفن رأسه في الكتب و راح يهيئ نفسه للنجاح. لم يكن ذكيا جدا ، و لكن كان مجتهدا. كذلك لم يكن كسولا في دروسه و لكنه كان مشاغبا. ففي إحدى زيارات والده " الشيخ علي " للمدرسة ، انتحى به المقيم العام للمدرسة ليقول له : " إن الحبيب مهتم بدروسه جديا ، لكنه من النوع المشاغب رغم ما يبدو عليه من إنطوائية ( 12 ) ". لم يعلق الأب علي آنذاك على كلام ناظر المدرسة ، و لكن الابن الذي أصبح فيما بعد رئيسا قال و هو يروي عذاباته : " لقد فهمت منذ تلك اللحظة أن كل شيء قد يكون مسموحا إذا كنا ناجحين ( 13 )".
في الصيف ، كان الحبيب يترك بيت أخيه محمد المترجم ليذهب إلى المنستير. و هناك ينغمس في محيط مليء بالنساء. و بين أمه " فطومة " و جدته و أختيه عيشوشة و نجية سيتعلم الحبيب الطبخ الذي سيتقنه حين يصبح طالبا في باريس أو منفيا في بورج البوف أو حتى رئيسا في قصر قرطاج. كان صبيا شرها رغم نحافته ، و لطالما تلقى عدة توبيخات حين كان يقبض عليه و هو يمد يده في الخفاء لصحن البقلاوة أو و هو يختلي بقصعة الكسكسي المعدة للضيوف كأي قط جائع. و لكن أيام العطلة الصيفية سرعان ما تنتهي حين يرغمه أخوه محمد على مصاحبته و العودة به إلى تونس لحفظ القرآن في الكتاتيب.
كان الحبيب لم يبلغ بعد العاشرة حين أصبح بالقسم الرابع ابتدائي. في تلك السنة سيمر الحبيب بالصدفة أو بالعادة من طريق " باب منارة " ليشاهد الحادث الذي سيؤرخ لمقاومة الاستعمار الفرنسي. كانت أحياء القصبة تعج بالجنود الذين يضعون على رؤوسهم ما يشبه الشاشية التي يخرج من وسطها خيط طويل فينتهي بخيوط قصيرة متشابكة ذات شكل كروي تنزل إلى أسفل العنق. و سأل الصبي الحبيب عن تلك الحشود فقيل له : " إن حادثة مؤلمة وقعت في مقبرة الزلاج".
لقد كانت هذه المقبرة من أحباس العائلات التونسية المسلمة ، و لكن السلطات الفرنسية أرادت أن تضمها إلى البلدية و تنهي أمر الوقف الذي يقال إنه كان لأحد أعيان القيروان. و لأن التونسيين المسلمين قد رأوا في ذلك تدنيسا لمقدساتهم رافضين أن يدفن أموات المسيحيين إلى جانب الأموات الإسلاميين ، فقد عرضت المسألة للتحكيم. و لكن أثناء ذلك وقع صدام بين بعض الأهالي و بعض الأجانب الأمر الذي أدى إلى قتل بعض الإيطاليين ، و هو ما سوف يتطور إلى صدام مسلح مع الجنود الحارسين للمقبرة أدى إلى مقتل بعض التونسيين.
سال الدم على نحو أفزع الجميع. و إذ استمرت تفاعلات ذلك الصدام نحو سنة ، فقد لحق بها حادث آخر شارك في تشكيل ما يمكن أن يسمى بجنين الوعي القادم. ففي اللحظة التي ضغطت فيها المقصلة على أعناق المحكوم عليهم بالإعدام لمشاركتهم في انتفاضة الزلاج و فصلت رؤوسهم عن أجسادهم ، جاء قرار المقيم العام الفرنسي " لابتيت " بإبعاد قيادات " الشباب التونسي " إلى المنفى : علي باش حانبة و عبد العزيز الثعالبي و محمد نعمان تم نفيهم إلى مرسيليا. حسن القلاتي نفي إلى الجزائر. أما الصادق الزمرلي و الشاذلي درغوث فقد أبعدا إغلى تطاوين بالجنوب الفرنسي ، حيث تعتبر من مشمولات الحاكم الفرنسي العسكري.
سوف لن يهتم كثيرا التلميذ الحبيب بورقيبة إن توقف " الترامواي " عن السير ، لأنه قد تعود السير على قدميه الغارقتين في حذاء واسع و مثقوب. و لكن حادثة دوس طفل تونسي تحت عربات " ترامواي " يسوقه أحد الإيطاليين ، سيثير فتنة التساؤلات في رأسه. و قد أجابه أخوه محمد عن ذلك " بأن التونسيين يمتنعون عن ركوب الترامواي لأنهم يريدون معاقبة الإدارة الفرنسية ، و أن ذلك هو ما يسمى بالعصيان المدني". لقد كان أغلب سائقي هذه العربات من الإيطاليين أو التونسيين المتجنسين. فالجالية الإيطالية التي كانت تسكن في تونس كانت أكثر عددا من الجالية الفرنسية. و منذ ذلك الحادث ، أجمع سكان تونس الأهليون على مقاطعة عربات الترامواي إذ قالوا جميعا : " نمشي على أقدامنا أو نركب العربات التي تجرها الخيول و لا نمتطي هذه الآلة القاتلة ( 14 ) ". و فيما ظلت عربات الترامواي تسير فارغة بين القصبة و باب منارة و انتهاء بباب سويقة عبر باب الجديد ، امتلأت صدور السلطات الفرنسية  بالغضب الذي انفجر عندما تم ترحيل قادة " الشباب الفرنسي " إلى المنفى.
تحسس الحبيب و هو مراهق صغير اتجاهه نحو المدرسة مرة اخرى و هو يشعر بفقدانه لدفء والدته. و إذ عرف أن المدينة التي يشقها صباحا و مساء قد أصبحت ساحة لاحتكاك الغرائز ، فقد تساءل طويلا عما يمكن أن يعيد تلك الغرائز إلى سكينتها ؟ لقد حلت الكراهية محلّ التسامح و غطت البشاعة ممارسات السلطات الفرنسية ، حين اتجهت إلى إطلاق النار على الأهالي في المقابر.
انتهى المقام بـ " علي باش حانبة " إلى اسطمنبول ليموت هناك. أما البشير صفر فسوف يتوفى بين أهله. فهذا الوطني الكبير الذي اشتغل بالتدريس في الخلدونية ، و عمل – كقائد – على مدينة سوسة ، فسوف يودع إلى مثواه الأخير بجنازة طويلة جدا أثارت أكثر الأحاسيس اضطراما ، في نفوس الأهالي ، و كادت أن تتحول إلى مذبحة بسبب تدخلات السلطات الفرنسية لتنظيمها. و إذ عارض الأهالي ذلك التدخل البشع ، رأى المراهق الحبيب بورقيبة والده يذرف الدمع على روح الفقيد " صفر " إلى حد ظن فيه بعض الناس أنه من أقارب الميت. تلك الجنازة و معها حادثة مقبرة الزلاج ، و حوادث مقاطعة الترامواي إلى جانب احتجاج الأهالي على اجتياح الطليان لطرابلس عام 1911 ، سوف تحفر علاماتها في لحم المراهق الحبيب بورقيبة. أما أسماء البشير صفر و باش حانبة و الثعالبي ، فسوف تكون علامات مضيئة على طريقه الطويل و الشاق.
و لم تنته جنازة الأستاذ بشير صفر ، حتى قامت جنازة الأم " فطومة ". و رغم أن المسافة بين تونس العاصمة و المنستير طويلة ، سيتمكن الحبيب من حضور مراسم الدفن و هو يبكي كما لم يبك أبدا. و حينما يدخل على جثمانها و هي مسجاة في إحدى الغرف و يقترب منها ليقبلها القبلة الأخيرة سيحس ، لأول مرة أن أجساد الميتين باردة ، الأمر الذي زعزع كيانه فيما بعد و جعله رغم تجاوزه الثمانين يبكي كالطفل و يرتجف كلما تذكر أمه أو وقف أمام قبرها إلى حد يشعر فيه المرء بالتلاشي.
لقد قاست الأم فطومة الكثير كبنات جيلها. كانت رضيعة عندما طلق والدها أحمد خفشة أمها خدوج مزالي لأسباب تافهة ، و هي أنها تكثر من الشخير حين تنام و أحيانا تقدم له الأكل باردا. و سوف تبقى الابنة فطومة بلا زواج إلى حين بلغت الـ 18 ، و هي سن متقدمة حسب عادات ذلك الزمن. و حين تقدم إليها الرقيب علي بن الحاج محمد بورقيبة العائد من الجندية بقليل من الأنفة و بسيف و مرتب تقاعدي ، قبلت به في الحين. و لم تكد هذه الأم أن تفرغ من الولادة و هي تشارف الخمسين حتى توفيت فتركت سبعة أبناء أصغرهم الحبيب البالغ من العمر نحو 12 سنة و زوجا شيخا قد أصبح مدمنا لعب الورق و حكايات عنترة بن شداد. فحين تصل القصة إلى وقوع عنترة في الأسر ، يدهم الشيخ علي نعاس ثقيل فيحمل أشلاءه و يعود إلى داره متوجعا على شبابه و أبنائه البعيدين و خصوصا ابنه الحبيب الذي كان لا يزال مراهقا طريا.
عاد ذلك المراهق إلى تونس و قد زرعت الفاجعة بداخله بذرة النضج. و لم تمض سنة حتى حصل على الشهادة الابتدائية. و لكن ماذا سيفعل به الأخوة بعد أن توفيت الأم و أشرف الأب على الشيخوخة الرذيلة ؟ أحدهم و هو محمد كان فظا معه و أحيانا كان يجنح إلى ضربه ضربا مبرحا ، قال : " ليذهب يتعلم صنعة يعيش منها ذات يوم ". الأخ الثاني و هو أحمد فكر في إرساله إلى المنستير ليبحث عن عمل و يساعد الوالد الشيخ. أما أخوه محمد فقد وقف إلى جانبه فاستدعاه إلى قرية " تالة" في وسط البلاد ليقضي معه وقتا ريثما تتدبر الأمور و ينتعش جسمه الذي راح السل ينهشه.
و في الحقيقة لا أحد من أخوته كان يريد للحبيب أن يواصل تعليمه ، باستثناء أخيه محمود الذي يعمل هو الآخر كمترجم بوزارة العدل. إن محمود الذي يكبره بنحو 15 سنة هو الذي سينتشل أخاه الحبيب من الضياع و يدفع به إلى التسجيل في معهد كارنو ، حيث سيدرس اللغة الفرنسية على يدي أساتذة مهرة و كذلك الرياضيات و التاريخ و بعض الخطوط العريضة للفلسفة الوضعية. و من ثمة سينغمس الحبيب في قراءات لهيغو و جان جاك روسو و برغسون. و بعد أن امتلأ رأسه بعدة أفكار و عدة أسماء و رموز ، سيبدأ المراهق الحبيب في الكشف شيئا فشيئا عن نضج بالغ الحساسية.
الهوامش :
1 – يذكر كتاب صوفي بسيس ( سهير بلحسن ) في جزئه الأول عن بورقيبة منشورات جون أفريك عام 1988 أن بورقيبة تعني – السجين – باللغة الألبانية. لكنها لا تذكر أكثر من ذلك.
2 – يعتقد أحد المثقفين الليبيين أن عائلة بورقيبة أصلها من سالونيك و هو ينقل ذلك عن حكايات توارثتها عائلات مصراتة. و قد تحدث ( المؤلف ) في ذلك مع الدكتور علي فهيم خشيم االذي هو على دراية واسعة بالألقاب و الأسماء. و قد أكد أن عائلة بورقيبة هي عائلة مصراتية ، لكنه لا يستطيع أن يؤكد ما إذا كانت أصيلة ليبيا أو وافدة من فضاء الدولة العثمانية ، خصوصا أن مصراتة مرفأ تجاري و نقطة عبور إلى الساحل التونسي.
أما ما يؤكده الأستاذ إبراهيم أحمد أبو القاسم في أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراة من الجامعة التونسية و التي نشرت في كتاب " المهاجرون الليبيون بالبلاد التونسية " – منشورات عبدالكريم بن عبدالله – عام 1992 ، فإن عائلة بورقيبة من العائلات المعروفة حتى الآن في مدينة " مصراتة " و هي تنتمي إلى قبيلة ( الدرادفة ) التي بلغ مجموع أفرادها سنة 1917 حوالي ( 1300 نسمة ). و تتكون هذه القبيلة من الملحمات الآتية : النواصف – الرضاونة – المعاتقة ، أولاد رجب – السقائف.
3 -  قال ذلك بورقيبة للسيدة التي أصبحت زوجته الأولى فيما بعد : " ماتيلد " و التي أصبحت تعرف فيما بعد بمفيدة بورقيبة. كما أن كثيرا من زملاء بورقيبة و وزرائه يؤكدون تكراره لذلك القول.
4 – كتاب صوفي بسيس ( سهير بلحسن ) منشورات جون أفريك – عام 1988 .
5 – إن لقب " ألأشقر " هو صفة أو كنية أطلقت على الجد بورقيبة و هذا يؤكد انتماءه إلى " الجالية الشقراء " أي القادمين من فضاءات البلقان في الدولة العثمانية.
6 – ثورة علي بن غذاهم ، كانت انتفاضة لمزراعي الوسط الشرقي ( تونس ) الذين تم تفقيرهم بزيادة الضرائب و تصاعد الجباية. و قد انتهت مساومة بين زعمائها ، ( و هم مجموعة من رؤساء القبائل ) و بين البايات ، و ذلك بعد حملة قمع رهيبة استعمل فيها الجنرال زروق أبناء الساحل ضد أبناء الوسط.
7 – ذكر ذلك بورقيبة أثناء محاضراته التي ألقاها على طلبة معهد الصحافة في كلية الآداب بتونس عام 1973 .
8 -  المصدر نفسه ، و هي محاضرات طبعت في كتاب عام 1974 حمل عنوان محاضرات في تاريخ الحركة الوطنية ( حياتي – آرائي – جهادي ).
9 – المصدر نفسه.
10 – دخول الحبيب إلى المدرسة الصادقية عام 1907 كما هو موثق ، يفيد مرة أخرى أنه مولود عام 1901 أو 1900 و ليس عام 1903 ، إذ ليس من المعقول أن يصبح تلميذا و هو لم يبلغ الرابعة.
11 – زار الشيخ محمد عبده تونس مرتين ، الأولى في آخر القرن التاسع عشر ، و الثانية في بداية القرن العشرين. و قد التقى بالعديد من وجوه النحبة التونسية في ذلك الوقت. فكان محرضا كبيرا على النضال و الوطنية للشباب التونسي.
12 – كتاب ( حياتي – آرائي – جهادي ) مجموعة محاضرات من إصدارات الحزب الحاكم عام 1974 .
13 – من محاضرة لبورقيبة في العام 1973 أمام معهد الصحافة و علوم الأخبار – نشرت في كتاب تحت عنوان حياتي ، آرائي ، جهادي.
14 – المصدر نفسه.
* نقلا عن  مجلة ألف :
يعتقد بهذا الخصوص أن الذهنية التي كانت تقف وراء مصطفى كمال أتاتورك ( مؤسس تركيا الحديثة ) هي نفس الذهنية التي تقف وراء الحبيب بورقيبة. كانت الخلفيات و المؤثرات التي اشتركت في رسم حدود الشخصيتين متطابقة ، لا سيما من الناحية الجدلية للدين و الدولة . و يعتقد أن كليهما كان عضوا في الماسونية أو الروتارية الدولية. ثم إنهما من سالونيك بالولادة ، إذا صح الافتراض. بإيجاز كانت الاتجاهات نصف الدستورية في تونس و تركيا تلعب على وتر العلمانية و الاستقلال و القطيعة مع الماضي ، و لكن الأنظمة الثورية التي اجتاحت سوريا و مصر ، كانت على العكس ، لا تتمسك بغير البند الثالث مما سبق مع إضافة بنود أخرى أساسية أهمها الحزب القائد وبعض من صفات رومنسية الغاية منها التجسيم و المبالغة ، و هو نفس الخط الذي وضع أسسه المارشال تيتو، كنسخة استشراقية من عظماء الغرب أمثال غاريبالدي أو نابليون ،  إلخ...